بيلاهاري كوسيكان

نحو إيجاد توازن في جنوب شرق آسيا

18 أيار 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

استأنفت الولايات المتحدة جهودها لتقوية علاقاتها مع حكومات جنوب شرق آسيا، بعد سنوات من الإهمال النسبي خلال عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. من المنتظر أن يُعقَد اجتماع مع رابطة أمم جنوب شرق آسيا هذا الأسبوع في واشنطن، إذ يحاول الرئيس جو بايدن تحسين مكانة بلده في خضم المنافسة الجيوسياسية القوية مع الصين. وتكمن أهمية هذه القمة في توقيتها، فهي تتزامن مع احتدام الحرب في أوكرانيا، ما يثبت أن الولايات المتحدة لا تزال تعطي الأولوية لمنطقة المحيطَين الهندي والهادئ. لكن رغم تطرّق المسؤولين الأميركيين إلى أهمية رابطة أمم جنوب شرق آسيا، لا تحتل طريقة تنظيم المنطقة دوراً محورياً في السياسة الأميركية بقدر ما يظن الكثيرون.

قبل رحيل ترامب من السلطة في كانون الثاني 2021، سارعت إدارته إلى نشر مذكرة حكومية سرية من العام 2018 بعنوان "إطار العمل الاستراتيجي الأميركي لمنطقة المحيطَين الهندي والهادئ"، وهي تُحدد المصالح الأميركية في المنطقة والطريقة التي تنوي واشنطن استعمالها لتحقيق غاياتها هناك. تصبّ الوثيقة التي نشرتها إدارة بايدن في شهر شباط الماضي في الخانة نفسها. لكن تتعارض هذه السياسة المعلنة والثابتة مع مقاربة بايدن الإقليمية التي تبدو حتى الآن مختلفة عن نهج ترامب، علماً أن هذا الأخير لم يُعبّر يوماً عن اهتمام كبير بمنطقة جنوب شرق آسيا ولم يُخْفِ لامبالاته بالاجتماعات الإقليمية، فقد امتنع عن حضور عدد منها. لم تكن لامبالاة ترامب تنجم عن استراتيجية شائبة بقدر شخصيته الغريبة وغير المنضبطة. تشكّل مقاربة بايدن إذاً عودة إيجابية إلى الوضع الطبيعي عبر تطبيق الخطوات التي يُفترض أن يتخذها أي رئيس بكل بساطة.

اجتمع مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى مع قادة جنوب شرق آسيا وقاموا بجولات متعددة في المنطقة. حضر بايدن قمة افتراضية مشتركة مع رابطة أمم جنوب شرق آسيا في تشرين الأول 2021، وهي أول قمة تجمع الطرفَين منذ العام 2016. كذلك، زار وزير الخارجية الأميركي، لويد أوستن، سنغافورة وفيتنام والفيليبين في تموز 2021، وزارت نائبة الرئيس كامالا هاريس سنغافورة وفيتنام في آب 2021. ثم زارت وزيرة التجارة الأميركية، جينا ريموندو، سنغافورة وماليزيا في تشرين الثاني. وزار وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، ماليزيا وأندونيسيا في كانون الأول 2021.

كانت وفرة الزيارات والاجتماعات التي قام بها المسؤولون الأميركيون في جنوب شرق آسيا إيجابية بعد الالتزامات المتقطعة والمترددة في عهد ترامب. لكن على غرار الإدارة السابقة، لا يعطي فريق بايدن الأولوية لرابطة أمم جنوب شرق آسيا بالضرورة. ركّز بايدن على بناء شراكة أمنية بين أستراليا، والهند، واليابان، والولايات المتحدة (تُعرَف باسم التحالف الرباعي)، وأعلن عن تقوية علاقاته مع أستراليا وبريطانيا بموجب الاتفاق الأمني "أوكوس". داخل جنوب شرق آسيا، صبّ التركيز في المقام الأول على العلاقات الثنائية والتعاون مع رابطة أمم جنوب شرق آسيا. لهذا السبب، لم تعد هذه المنظمة متأكدة من أهميتها بالنسبة إلى الأميركيين، وسرعان ما ترسّخ انعدام الأمان بين الطرفين لأن بايدن لم يُعيّن بعد سفيراً فيها. لا يزال هذا المنصب شاغراً منذ أن غادر آخر شخصٍ عيّنه الرئيس السابق باراك أوباما هناك في العام 2017.

لكنّ الاكتفاء ببذل الجهود الدبلوماسية الاعتيادية لن يمنح الولايات المتحدة مكافآت كبرى في منافستها الاستراتيجية مع الصين. إذا أرادت إدارة بايدن أن تستفيد من بدايتها الواعدة في جنوب شرق آسيا، فيجب أن تتقبّل واقعَين واضحَين في المنطقة. تغفل واشنطن عن أهمية المساحات البرية لأنها تُركّز على المنافسة البحرية مع الصين. ومن دون توسيع الالتزامات الأميركية، قد تسمح مشاريع بناء السدود الصينية على طول الروافد العليا لنهر "ميكونغ" بتضييق الخناق على دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا الخمس التي يمرّ بها النهر. كذلك، قد تصبح العلاقات مع عواصم المنطقة مُهددة إذا بالغت إدارة بايدن في التركيز على الأبعاد الإيديولوجية في منافستها مع الصين.

يجب أن تتذكر إدارة بايدن، خلال السنة الثانية من عهدها، نقطتَين أساسيتَين عند صياغة السياسة الخاصة بمنطقة جنوب شرق آسيا. أولاً، تُعتبر المساحات البرية مهمة بقدر البِحار. تطرح السدود التي تبنيها الصين على طول الروافد العليا لنهر "ميكونغ" مخاطر بيئية هائلة، حتى أنها قد تُرسّخ التبعية للصين، وتُغيّر بذلك الجغرافيا الاستراتيجية في جنوب شرق آسيا، وتُحوّل الحدود بين جنوب غرب الصين وجنوب شرق آسيا إلى مجرّد خطوط نظرية على الخرائط.



الرئيس الأميركي جو بايدن يتحدث مع قادة من رابطة دول جنوب شرق آسيا - واشنطن. تشرين الأوّل 2021



في العام 2009، أطلقت إدارة أوباما "مبادرة ميكونغ السفلي" التي تعهدت بتجديد الاهتمام الأميركي بمنطقة "ميكونغ" وزيادة التركيز عليها للتصدي للوجود الصيني هناك. لكن بدأت الإدارة الأميركية تفقد اهتمامها بمشروعها الخاص خلال ولاية أوباما الثانية لأنها لم تفهم أهميته الاستراتيجية. لم تُحقق تلك المبادرة أهدافاً كثيرة. بقيت هذه الخطة قيد التداول، لكن طغت عليها "مبادرة تعاون لانتسانغ - ميكونغ" التي أطلقتها الصين. (تستعمل بكين كلمة "لانتسانغ" للدلالة على منابع نهر "ميكونغ" التي تمرّ في أراضيها). لم تحاول إدارة ترامب إعادة إحياء تلك المبادرة قبل أواخر العام 2020، فسمّتها حينها "الشراكة بين الولايات المتحدة وميكونغ".

يقال إن إدارة بايدن تعمل اليوم على صياغة استراتيجيتها الخاصة في منطقة "ميكونغ". تتطلب هذه العملية كمية مناسبة من الموارد واهتماماً متواصلاً ومكثفاً بتحقيق النجاح. لم تهتم الإدارات الأميركية السابقة بمسائل نهر "ميكونغ" بدرجة كافية يوماً، لكن يُفترض أن يتعامل المسؤولون مع هذا الملف بطريقة استراتيجية ويضعوه في سياق السياسة الأميركية العامة في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ بدل اعتباره جزءاً من المسائل التقنية أو البيئية المنفصلة، على غرار إدارة الموارد المائية أو التغير المناخي.

ثانياً، يجب ألا تفترض واشنطن أن منطقة جنوب شرق آسيا تفهم طبيعة الديمقراطية الأميركية اللامركزية، حيث تكون مظاهر انعدام الثقة بالدولة راسخة على نطاق واسع، إذ يطغى الحُكم المركزي على تلك المنطقة الآسيوية ويطمح الكثيرون هناك إلى بناء دولة قوية، ولو أن هذا الهدف لا يتحقق بطريقة ملموسة في جميع الحالات. تجازف الجهود الإيديولوجية التي تتماشى مع قمة بايدن للديمقراطية في كانون الأول الماضي بإبعاد الشركاء في جنوب شرق آسيا. سيكون أي حدث مرتبط بالمنافسة العالمية المزعومة بين الديمقراطية والاستبداد كفيلاً بالحد من الدعم الذي تتلقاه واشنطن في المنطقة. كانت ماليزيا واحدة من ثلاث دول تلقّت دعوة لحضور القمة من بين أعضاء رابطة أمم جنوب شرق آسيا، لكنها رفضت المشاركة للحفاظ على هامش المناورة في علاقاتها مع الصين والولايات المتحدة. بشكل عام، لا يعتبر سكان جنوب شرق آسيا جميع القيم الأميركية جاذبة ولا جميع جوانب النظام الصيني بغيضة. لهذا السبب، قد تجازف أي مقاربة مبنية على صدام محتدم بين الديمقراطية والاستبداد بإبعاد الحكومات التي لا تنظر إلى العالم بهذه الطريقة الثنائية المطلقة والمبسّطة ولا ترغب في انتقاء أحد الخيارَين. لن يكون إصرار إدارة بايدن على تنفيذ هذا النوع من المشاريع الإيديولوجية نهجاً حكيماً في جنوب شرق آسيا.

منذ نهاية حرب فيتنام، بقي أداء واشنطن متماسكاً وناجحاً على نحو لافت باعتبارها القوة الخارجية القادرة على إقامة التوازن المطلوب في جنوب شرق آسيا، فحافظت على استقرار المنطقة ومنعتها من الخضوع لأي قوة مُهيمِنة. لكن تغيّرت الظروف اليوم. تبقى الصين منافِسة بالغة القوة، لكنها لا تطرح تهديداً وجودياً على الولايات المتحدة بقدر ما فعل الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة. ولا شيء يبرر الآن أن يتحمّل الأميركيون أي أعباء أو يدفعوا أي ثمن للحفاظ على الاستقرار. يجب أن تفهم رابطة أمم جنوب شرق آسيا أن الأولويات الأميركية باتت تتمحور حول المسائل الداخلية أكثر من أي وقت مضى. تتوقع واشنطن من شركائها وحلفائها إذاً أن يتحملوا تكاليف إضافية لحفظ النظام. لا شيء يُجبِر رابطة أمم جنوب شرق آسيا على تنفيذ كل ما تطلبه إدارة بايدن، لكن يُفترض أن تناقش في أسرع وقت المعايير التي تُحدد ما تريده وما ترفضه في تعاملها مع الولايات المتحدة لمواجهة التحديات الصينية المشتركة.



أعلام الدول الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)




إذا لم تتضح هذه المعايير كلها، ستتابع إدارة بايدن اعتبار رابطة أمم جنوب شرق آسيا مسألة "محورية" ولن تتردد في حضور اجتماعاتها، لكن قد تزيد واشنطن تركيزها على شراكات أخرى مثل التحالف الرباعي أو علاقات ثنائية محددة في جنوب شرق آسيا. وإذا لم تُعْطِ الولايات المتحدة الأولوية لرابطة أمم جنوب شرق آسيا، قد تستخف الصين بدور هذه المنظمة الإقليمية نظراً إلى تراجع قيمتها عموماً، فتخسر تأثيرها على هاتين القوتَين معاً. لهذا السبب، يجب أن تفهم رابطة أمم جنوب شرق آسيا والدول الأعضاء فيها أن العلاقات القوية مع الولايات المتحدة ليست بديلة عن روابطها الوثيقة مع الصين، بل إنها شرط أساسي لإقامة تلك الروابط. تعتبر الرابطة نفسها محور المنافسة الجيوسياسية في جنوب شرق آسيا، لكنها قد تصبح على الهامش ولا تعود لاعبة مؤثرة في منطقتها.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.