جوزيفين حبشي

الصغيرات المتجمّلات أو الكبيرات سناً وموهبة...أيهنّ بطلة المسلسلات؟

7 دقائق للقراءة

"حرام حلوة، ليش بعد ما تجوّزت؟" و"بعد هالكبرة، جبة حمرا" و"العمر أكبر مجرم"... هذه المفاهيم البالية لا تزال متواجدة في مجتمعاتنا الشرقية. وكأن الحب والجمال لدى المرأة تحديداً، مرتبط دائماً بعمر الشباب، فكلما زاد السن، نقص الجمال وقلّت فرص الوقوع في الحب والزواج واختيار مهن محددة. فهل مهنة التمثيل واحدة من المهن التي لا تزال تتأثر سلباً بالتقدم بالعمر في عالم الفن؟ وهل المحافظة على الجمال والشباب يعني المحافظة على الشهرة والأضواء وأدوار بطولة؟ هل لهذا السبب تلجأ ممثلات كثيرات الى تقنيات التجميل، رغبة في ابعاد "تهمة" التقدّم في العمر، وكأن السنوات جريمة لا تغتفر، عقوبتها السجن المؤبد في أدوار هامشية وثانوية ومحدودة المساحة؟ وهل تعلم الممثلات أن المخاطرة كبيرة وتقنيات التجميل سلاح ذو حدّين، لأنها تشلّ التعابير وتجمّد الملامح التي تعتبر أهم أدوات الممثل. وهل لهذا السبب ترفض ممثلات كثيرات إزالة تجاعيدهن ومحو علامات الزمن عن وجه عاش واختبر وضحك وبكى وتأثر؟ أي ثنائية هي الأهم بالنسبة الى الممثلة، الجمال والشباب أو الشكل الطبيعي والموهبة؟



في هوليوود، ورغم انتشار ثنائية "الجمال والشباب" كشرط أساسي للنجاح، إلا أن أهمّ الممثلات وأكثرهن شهرة، هنّ من تخطّين سن الخمسين. ممثلات بعضهن جميلات، وبعضهن لا يتمتعن بمفهوم الجمال التقليدي (مثل فرانسيس مكدورماند)، تكتب لهن تحديداً الأدوار الصعبة والمختلفة. ممثلات مثل ميريل ستريب الملقبة بالملكة وسوزان ساراندون وجوليا روبرتس وساندرا بولوك وشارون ستون اللواتي لا يبالغن ابداً بتقنيات التجميل. حتى في هوليوود الشرق، تخطّي بعض الممثلات عتبة الخمسين، لا يؤثر سلباً على نجوميتهن (يسرا وليلى علوي والهام شاهين). لماذا هذه الممثلات الايقونات لا يزلن يتربعن على عرش الشهرة والنجومية والانتشار العالمي والعربي؟ لانهن ببساطة يتربّعن على قلب الجمهور الذي رافق بداياتهن وانبهر بجمالهن وشبابهن اولاً، ولكنه لمس موهبتهن الكبيرة وادائهن المقنع، فازداد الحب مع ازدياد سنوات أعمارهن وخبراتهن.

طيب، ماذا عن الممثلات في لبنان؟ وهل الموهبة والشكل الطبيعي يتفوقان على الجمال والشباب؟ ولماذا لا تمنح الأدوار الرئيسية والمساحات الكبيرة لممثلات كبيرات قيمة وسناً؟ وهل المنتجون يجبرون الكتّاب على حصر البطولات بالنجوم الشباب والقصص الرومنسية؟ لا، الكتّاب وخصوصاً الكاتبات في لبنان قدموا المرأة في أدوار تكسر الصورة النمطية لها. منى طايع قدّمت في مسلسلات عديدة، نساءً قويات وثائرات على التقاليد والظلم في مجتمع ذكوري، وتجرأت على القول إن الحب يحمينا من التقدم في العمر، بينما التقدم في العمر لا يحمينا من الحب، وذلك عندما قدّمت بطلتين من بطلات مسلسلها "عصر الحريم" تخطتا عمر الشباب، ولكنهما تعيشان قصة حب كبيرة. الاولى هيام أبو شديد بدور ارملة وأم لشاب سيجعلها جدة، ورغم ذلك هي مغرمة برجل وستسعى للارتباط به. والثانية وداد جبور في دور امرأة حُرمت من حبيبها لاكثر من 30 عاماً، ولكنها ستتحدى التقاليد التي منعتها سابقاً، وستعود اليه.

بدورها كلوديا مارشليان من الكاتبات اللواتي منحن المرأة بعد سن الخمسين، أدواراً نافرة تظهر قدرتها. تؤكد مارشليان أن الدور النسائي المهم لا يمكن حصره بدور الحب والعشق فقط، فهي سبق ان قدمت في السينما والتلفزيون، نساءً لديهن قضايا عديدة من صميم واقعنا: المرأة المعنّفة، والمُغتصبة، والمناضلة من أجل حقها في أولادها وتعليمهم، والمصممة على الاحتفاظ بجنينها رغم انها عزباء، والارملة والعانس، والطيبة والشريرة والجميلة والقبيحة، والشابة والناضجة وغيرها من الملامح النسائية المتنوعة على مدى اكثر من 44 مسلسلاً و6 أفلام. وترى كلوديا أن البطولة المطلقة لم تعد على الموضة اليوم ، فحتى المسلسلات التي تُنتج وتُسوّق على اسم نجم لديه انتشار عربي، تمتلئ بشخصيات عديدة، لكل منها مساحتها وقضيتها. اما مقولة "الشباب والتجميل ضمان لاستمرارية الممثلات"، فتخالفها بشدة، وتصرّ على أن الأداء هو الأساس. في الحياة لدينا نساء لم يتزوجن ولم ينجبن، واخريات أمهات وجدات، هناك الفقيرة والمريضة والمسجونة، فهل يعقل أن تؤدي هذه الأدوار نساء شابات و"تجميليات"؟ ولا تخفي كلوديا أنها تتمسّك بالمصداقية، لذلك لا يمكنها أن تقترح لاداء بعض الأدوار التي تكتبها، ممثلات يبالغن أو بالغن باللجوء الى تقنيات التجميل. وتشدد على أن موهبة الممثلة هي الأساس، واذا سنحت لها الفرصة لاظهارها، ستحقق النجاح والانتشار، وتصبح نجمة مطلوبة بالاسم حتى ولو تخطت سن الخمسين. مثل من؟ تقلا شمعون قدمتها في دور ماما عليا في مسلسل "روبي"، واستطاعت بموهبتها وملامحها الطبيعية أن "تكسّر" الدنيا، وتصبح بعده نجمة عربية تُطلب بالاسم، وتقدّم لها أدوار بطولة كما في "عروس بيروت". أخيراً ترى مارشليان أن زمن المنصات اليوم يفتح المجال واسعاً اما مسلسلات قصيرة، وهذا من شأنه أن يقلب المعادلة ويساعد في تقديم قصة محددة، قد يكون البطل فيها امراة تخطت سن الثمانين.

الكاتبة نادين جابر تتفق مع مارشليان بخصوص المنصات التي يمكن من خلالها تقديم قصة محددة في سلسلة قصيرة، يكون أبطالها شخصيات مختلفة عن الصورة النمطية لنجميّ المسلسل الطويل. نادين جابر التي حققت في السنوات الاخيرة نجاحاً كاسحاً من خلال كتابتها مسلسلات مثل 2020 و"صالون زهرة"، و "للموت"، هي من اشد المتحمسات لكسر نمطية اسناد دور البطولة للشباب فقط. ورغم أنها لا تنكر أن لعبة التلفزيون والتسويق تفرض أحياناً وجود أسماء معيّنة لها جماهريتها وانتشارها، إلا إنها تصرّ على تطعيم مسلسلاتها بشخصيات ناضجة في العمر، وتهتم برسم ملامحها بعناية، وبمنحها "كاراكتيرا" قادراً على ترك بصمته، حتى ولو لم يكن دور بطولة في المفهوم التقليدي للكلمة. هذا الاهتمام الزائد اثبت حتى الآن أن مساحة الدور ليست هي المهمة، وأن شخصيات نادين جابر الناضجة كلها بطلة، وإن كانت تؤدي دوراً مسانداً. كيف يمكننا أن ننسى شخصية رسمية التي جسدتها كارمن لبّس في مسلسل 2020، وهو الدور الذي ظهرت فيه من دون ماكياج وتجميل لأن الشخصية تتطلب ذلك؟ وكيف لا ننبهر بليليان نمري بشخصية صاحبة عصابة الأطفال، وبنوال كامل التي اذهلتنا بإرهاقها وتجاعيدها وشعرها المنكوش وطيبتها المتناهية في "5 ونص" لتعود وتبهرنا اكثر بقسوتها وبهرجتها وشعرها الأشقر وماكياجها القوي وهي تجسد دور الباترونة المحنّكة العجوز في "للموت2"؟ وكيف يعقل ألا نذوب حباً امام الكهلين حنان وعبدالله اللذين جعلانا نغرم بقصة حبهما وهما يقفان على حافة خريف العمر في "للموت"؟ وكيف يعقل الا نرفع القبعة للرائعة رندة كعدي عندما سرقت كل الأضواء وتربّعت على عرش النجومية، لحظة تناولها حبة هلوسة جعلتها تتحرر من خجلها، فتجن وترقص وتغني وتُغري وتتلوى في مشهد سيجعل ميريل ستريب تتمنى أن تحصل على لقب "رندة كعدي هوليوود". رندة كعدي التي لا تزال بعيدة جداً عن تقنيات التجميل، تفتخر أن اداءها الطبيعي ودراستها الاكاديمية للتمثيل هما "بوتوكسها" و"فيلرها" اللذان يصنعان شباب موهبتها. هي ليست متحمّسة للخضوع لتقنيات التجميل التي تجمّد برأيها أهم شيء تمتلكه الممثلة: الإحساس الطبيعي. صحيح انها اشتهرت بدور الام الطيبة مذ كانت في عز صباها، الا أن كعدي التي تفاخر بأمومتها، لا تخفي غصتها من وضعها في اطار الام في معظم الأحيان. صحيح انها تتفنن في رسم شخصية الام بمساعدة ابنتها تمارا حاوي في كل مرة بأسلوب مختلف مع تركيز على التفاصيل، الا انها لا تنكر حلمها ورغبتها بتجسيد أدوار أخرى، تستفز الممثلة والمرأة في داخلها. أدوار كالدور الذي بهرني وعرّفني الى قدراتها الاستثنائية، يوم شاهدتها للمرة الأولى على خشبة المسرح، وهي تؤدي شخصية العانس المسكونة بالرغبة الجارفة في مسرحية "القفص" للمخرجة لينا ابيض.

وبعد كل ما تقدّم، الا يجب كسر القفص الذي يسجن ممثلاتنا اللبنانيات خلف قضبان الخوف من العمر؟ الا يجب مطالبة كتّاب الدراما بالاكثار من كتابة أدوار لتجاعيد حفرت عمراً مليئاً بالخبرة والإبداع على وجوه ممثلات قاومن موجة الاستسهال السائدة، وعشقن الفن الحقيقي؟