شوهدت الخنازير حديثاً وهي تستعمل الأدوات، ما يثبت مجدداً أن الإنسان ليس الكائن الذكي الوحيد في العالم!
في الماضي، كان الباحثون يظنون أن استعمال الأدوات (لتغيير البيئة، أو إيجاد الغذاء أو تحضيره، أو تصنيع أدوات أخرى) ميزة محصورة بالبشر لأنها تشير إلى قدرات معرفية عالية المستوى.
لكن على مر السنين، اتّضح أن حيوانات كثيرة، لا الثدييات وحدها، تستعمل الأدوات لتحسين حياتها أيضاً.
على سبيل المثال، يستخدم عدد كبير من الرئيسيات غير البشرية، بما في ذلك الشمبانزي، أدوات للبحث عن المصادر الغذائية والوصول إليها، وكانت العملية لتزداد صعوبة لولا تطبيق هذه الطريقة.
حتى أن غربان "نيو كاليدونيا" تستطيع أن تجمع أغراضاً مختلفة لتشكيل أدوات مركّبة تسمح لها بإيجاد الطعام.
كذلك، راقب الباحثون أجناساً من الأسماك البحرية من نوع الكيدميات التي تستعمل الصخور لكسر وفتح رخويات ذوات الصدفتين والحصول على لحم لذيذ.
في الفترة الأخيرة، راقب باحثون من جامعة "باريس ساكلاي" في "ثيفرفال غرينيون" ومن اليونسكو، وجامعة باريس و"المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي" في باريس، سلوكيات مبنية على استعمال الأدوات لدى فصيلة من الخنازير.
نُشِر تقرير عن الدراسة الجديدة في مجلة "بيولوجيا الثدييات"، حيث يَصِف الباحثون كيف كانت إناث خنازير "فيسايان وارتي"، في حديقة حيوانات باريس، تستعمل العصي وأجزاءً من لحاء الأشجار كأدوات لبناء أعشاش لها.
في البرية، بَنَت إناث الخنازير أعشاشاً لها قبل أن تَلِد صغارها. وعلى غرار أجناس أخرى من الخنازير، أثبتت هذه المجموعة أنها ذكية أيضاً، واقتنع الباحثون بأنها قد تتمكن من استعمال الأدوات. لكن حتى تلك المرحلة، لم يشاهد أحد خنزيراً يستعملها لأي سبب من الأسباب.
يذكر الباحثون في تقريرهم: "بفضل قدرة الخنازير على استخراج العلف والتلاعب بالأغراض واللعب وبناء الأعشاش، يمكن اعتبارها مرشّحة لاستعمال الأدوات، مع أن افتقارها إلى الأصابع أو المنقار للإمساك بها بإحكام يحدّ من قدرتها على التعبير عن سلوك مماثل. على حدّ علمنا، ما من مراجع حول استعمال الخنازير للأدوات".
لكن تغيّر الوضع حين قررت ميريديث روت بيرنشتاين، إحدى المشرفات على الدراسة، التجسس على أنثى من نوع "فيسايان وارتي" في حديقة باريس، حين كانت تستعمل قطعة من لحاء الشجر لإحداث حفرة.
توضح روت بيرنشتاين: "كانت أنثى الخنزير تضع الأوراق وتنقلها إلى موقع مختلف على كومة العش وتحفر قليلاً بأنفها. في مرحلة معينة، رفعت قطعة مسطحة من اللحاء كانت مُلقاة على الكومة، بحجم 10x40 سنتم تقريباً، فحملتها في وسط فمها واستعملتها للحفر، وراحت ترفع التربة وتدفعها نحو الخلف بوتيرة حيوية وسريعة. تكررت حركة الحفر بين ست وثماني مرات".
أثار هذا الموقف اهتمام زملائها. وبعد أخذ موافقة المسؤولين في الحديقة، بدأوا يراقبون الخنازير بهدف تسجيل سلوك استعمال الأدوات لديها مجدداً. كانوا يأملون أيضاً في تحديد أنواع الخنازير التي تستعمل الأدوات لتحقيق أهدافها.
في البداية، راقبوا خنازير "فيسايان وارتي" بشكلٍ متكرر، خلال فترات فاصلة على مدار السنة، وكانوا يظنون أن سلوك استعمال الأدوات جزء من جهودها الرامية إلى البحث عن الطعام. لكن تبيّن أن الوضع مختلف. طرح الباحثون فرضية أخرى: ربما استعملت الإناث اللحاء والأغصان بكل بساطة لبناء أعشاشها. لذا بدأوا يراقبون الحيوانات في وقت بناء الأعشاش، وسجلوا سلوكها أثناء استعمال تلك الأدوات مجدداً.
في التفصيل، استخدمت "الأم الحاكمة" في المجموعة (سمّاها موظفو حديقة الحيوانات "بريسيلا") وصغيراتها الإناث العصي وأجزاءً من اللحاء في أربع مناسبات مختلفة لتسهيل بناء الأعشاش.
حاول ذكر واحد في الحظيرة (سمّاه المسؤولون "بيلي") تقليد الإناث واستعمال العصا كأداة لكنه لم ينجح. رفع "بيلي" العصا وحاول أن يحفر بطريقة خرقاء وفشلت جهوده.
أكدت تجارب أخرى على أن قدرة الإناث على استعمال الأغراض كأدوات لمساعدتها على إكمال بناء الأعشاش لم تكن صدفة لأنها كررت هذا السلوك في مناسبات مختلفة. أما الذكر "بيلي"، فقد حاول تقديم المساعدة، لكنّ محاولاته كانت محكومة بالفشل. يضيف الباحثون: "تمكّنا من التأكيد على الملاحظة الأصلية المرتبطة بقدرة التلاعب بالأغراض بفعالية، ما يوحي بأن هذا الحدث لم يكن عرضياً بل جزءاً من سلوكيات اعتيادية لدى الخنازير. تكشف هذه النتائج أن التلاعب الفاعل بالأغراض يحصل في إطار التسلسل السلوكي المتعلق ببناء الأعشاش".
لكن لا يستطيع الباحثون أن يؤكدوا على الطابع الفطري لنزعة خنازير "فيسايان وارتي" وأجناس أخرى إلى استعمال الأدوات أو ارتباطها بسلوك طوّرته الحيوانات في حديقة باريس أثناء احتجازها.
في الحالة الثانية، يفترض العلماء أنّ تناقل ذلك السلوك حصل بشكلٍ عمودي، أي من الأم إلى صغيراتها الإناث، أو بشكلٍ أفقي، أي بين الإناث الراشدة والذكر الراشد "بيلي". من المستبعد أن يكون هذا السلوك المبتكر من اختراع "بيلي" نظراً إلى فشل محاولته استعمال الأدوات خلال المرحلة الثانية من الدراسة.
في مطلق الأحوال، يظن الباحثون أن السلوكيات التي شاهدوها تشكّل دليلاً واضحاً على تمتع الخنازير، في الحد الأدنى، بقدرة على الابتكار من خلال استعمال أغراض طبيعية كأدوات فعالة. بحسب رأيهم، تفتح ملاحظاتهم المجال أمام إجراء أبحاث جديدة حول استعمال الأدوات والتعلم الاجتماعي لدى الخنازير.