مينا الأسنان أقسى جزء في الجسم، لكن لا أحد يعرف حتى الآن كيف يصمد طوال الحياة. استنتج الباحثون في دراسة جديدة أن سر المينا يكمن في اصطفاف البلورات بطريقة غير مثالية!
إذا جرحنا بشرتنا أو كسرنا عظمة، تصلح هذه الأنسجة نفسها بنفسها، لأن الجسم يجيد التعافي من الإصابات.
لكن يعجز مينا الأسنان عن التجدد ويُعتبر تجويف الفم بيئة عدائية.
في كل وجبة طعام، يتعرض المينا لضغوط هائلة ويمرّ بتغيرات قوية على مستوى الرقم الهيدروجيني والحرارة. لكن رغم هذه العوامل العدائية كلها، نحتفظ جميعاً بالمينا الذي ينشأ في طفولتنا على مر حياتنا.
لطالما اهتم الباحثون باكتشاف السر وراء حفاظ المينا على فاعليته وسلامته طوال الحياة. تتساءل المشرفة على الدراسة الأخيرة، بوبا غيلبرت، من جامعة "ويسكونسن - ماديسون": "كيف يتجنب المينا الانهيار الكارثي"؟
أسرار مينا الأسنان
بالتعاون مع باحثين من معهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا في "كامبريدج" ومن جامعة "بيتسبرغ"، تعمقت غيلبرت في تحليل بنية المينا. نشر العلماء نتائج البحث حديثاً في مجلة "تواصل الطبيعة".
يتألف مينا الأسنان من قضبان تحتوي على بلورات هيدروكسيباتيت. تكون هذه القضبان بعرض 50 نانومتراً وبطول 10 ميكرومتر.
من خلال استعمال تقنية تصوير متطورة، شاهد العلماء طريقة اصطفاف البلورات الفردية في مينا الأسنان. كانت تلك التقنية من تصميم غيلبرت واسمها "تباين التصوير المعتمد على الاستقطاب".
قبل ظهور هذه التقنية، كانت دراسة المينا بهذا المستوى من الدقة مستحيلة. توضح غيلبرت: "نستطيع الآن قياس اتجاه البلورات النانوية الفردية ومشاهدتها بالألوان، كما أننا نرى الملايين منها دفعةً واحدة".
حين شاهد الباحثون بنية المينا، اكتشفوا أنماطها. تضيف غيلبرت: "بشكل عام، لاحظنا أن كل قضيب لا يتخذ اتجاهاً واحداً، بل يحصل تغيّر تدريجي في الاتجاهات بين البلورات النانوية المتجاورة. لكننا تساءلنا: هل هذه الملاحظة مفيدة"؟
لاختبار مدى تأثير تغيّر اصطفاف البلورات على طريقة تجاوب المينا مع الضغط، استعان العلماء بالأستاذ ماركوس بوهلر من معهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا. استناداً إلى نموذج محوسب، قاموا بمحاكاة القوى التي تتعرض لها بلورات هيدروكسيباتيت أثناء المضغ.
فوضعوا داخل النموذج كتلتَين من البلورات المتجاورة، كي تُلامسا طرفاً واحداً. كانت البلورات داخل كل واحدة من الكتلتَين منظّمة، لكنها تشكّل زاوية حين تحتكّ بالكتلة الأخرى.
على مر تجارب عدة، غيّر العلماء الزاوية التي تلتقي فيها كتلتا البلورات. حين رتّبوا الكتلتين بطريقة مثالية كي تجتمعا في واجهة واحدة، ظهر شق عند زيادة الضغوط.
وعندما تقاطعت الكتلتان على زاوية 45 درجة، تكررت النتيجة نفسها، فظهر شق في الواجهة. لكن عند ترتيب البلورات بطريقة شائبة بعض الشيء، غيّرت الواجهة اتجاه الشق ومنعته من الانتشار.
كانت هذه النتيجة كفيلة بتعميق التحليلات. في المرحلة اللاحقة، أرادت غيلبرت تحديد الزاوية المثالية للواجهة لتعزيز قدرة تحمّل البلورات لأقصى حد. لم يتمكن الباحثون من استعمال نماذج محوسبة لاستكشاف هذا الجانب، لذا فضّلت غيلبرت أن تثق بمسار التطور الطبيعي: "إذا كانت الزاوية المثالية للاتجاه الشائب موجودة، فلا شك في أنها تقع في أفواهنا".
لاستكشاف الموضوع، عادت كايلا ستيفلر التي شاركت في الإشراف على الدراسة إلى المعلومات الأصلية المشتقة من تقنية "تباين التصوير المعتمد على الاستقطاب"، وقاست الزوايا بين البلورات المتجاورة. بعد إنتاج كمية هائلة من البيانات، اكتشفت ستيفلر أن حجم الاتجاه الشائب الأكثر شيوعاً يبلغ درجة واحدة، بينما تصل العتبة القصوى إلى 30 درجة.
كانت هذه الملاحظة تتماشى مع نتيجة تجربة المحاكاة السابقة، ما يعني أن الزوايا الأصغر حجماً تجيد تغيير اتجاه الشقوق.
في النهاية، تستنتج غيلبرت: "نعرف الآن أن اتجاه الشقوق يتغير على المقياس النانومتري، وبالتالي لا تستطيع الانتشار على نطاق واسع. لهذا السبب، قد تدوم أسناننا مدى الحياة من دون الحاجة إلى استبدالها".