خالد أبو شقرا

"فطر" الدولار السعيد... بعيد بعيد بعيد

4 دقائق للقراءة
كما كان متوقّعاً، شهدت المصارف اللبنانية زحمة خانقة فور معاودة فتح أبوابها، بعد نحو أسبوعين من الإقفال المتواصل. أكثر من 1047 فرعاً، تعود لأكبر 28 مصرفاً، شهدت تواجد ما لا يقل عن 40 زبوناً في كل واحد منها، في أول نصف ساعة من نهار أمس الجمعة.

إضافة إلى قلق المواطنين على مصير ودائعهم ومدّخراتهم، وتساؤلهم طوال الأيام الأربعة عشر الماضية إن كانوا سيستطيعون قبض رواتبهم، أو تحويل مدّخراتهم من الليرة الى الدولار، أو سحب ودائعهم وتحصيل الشيكات... فقد صادف تاريخ معاودة العمل مع بداية الشهر، الأمر الذي سبب مزيداً من الإزدحام والتهافت على المصارف.

تدابير صادمة

الأمور تبدو طبيعية، الموظفون يوزعون إبتساماتهم على الزبائن، الذين حصلوا على أرقام تنظيم الدور من الماكينات الخاصة المستحدثة في معظم الفروع. التعليمات من إدارة المصارف لجهة ضرورة إستيعاب الموظفين لردات فعل المواطنين صارمة، ومن لا يستطيعون إقناعه يحوّلونه الى المسؤول الأعلى حتى يصل الى مدير الفرع. دقت الساعة 8:30، فُتحت الصناديق... توجّهت ندى التي تحمل الرقم 4 الى الصندوق المخصص لتسحب راتبها "الموطّن" بالدولار الاميركي، لحظات قليلة وتخرج غاضبة وهي تتمتم: "ما بعرف شو بدي قول، بس أكتر من هيك سرقة ما في... بدّون ياخدوا مني 5 دولارات على كل 1000 دولار بدي اسحبها... مش معقول".

تتحوّل الأرقام على اللوحات الإلكترونية فوق الصناديق الى مزدوجة بلحظات. الصوت الإلكتروني ينادي الرقم 43 للتوجه الى الصندوق رقم 2. العدد ما زال يزداد في فرع المصرف. يتقدّم الزبائن جماعة الى "الكونتوار" الكبير، ويخرجون أفراداً مع الشكوى نفسها، "هناك قلق وخوف كبير عندنا، فبالرغم من توفير المصارف للعملة الأجنبية، إلا أنني تفاجأت بوجود سقف أسبوعي للسحب حدده المصرف بـ 2500 دولار أميركي، مع عمولة 5 بالألف على كل 1000 دولار"، تقول إحدى المواطنات. كلام يؤكده زبون آخر لمصرف آخر بقوله "لقد تقاضوا مني عمولة بقيمة 7.5 دولارات على عملية سحب بقيمة 1500 دولار، بعدما انتظرت لأكثر من ساعتين... والله حرام هيك". أما في أحد مصارف "ألفا" المشهورة فقد بلغت قيمة العمولة على السحب 1 في المئة أو 10 بالألف، بما معناه دفع 10 دولارات على كل 1000 دولار، وهو رقم كبير جداً وغير منطقي، يقول آخر.

زبائن الشيكات لم يكونوا أفضل حالاً، فالكثير من المصارف امتنعت عن تسديد الشيكات نقداً، وخصوصاً تلك التي تفوق قيمتها 2500 دولا أميركي، وأجبرت حامليها على وضعها في الحساب.

ATMs فارغة

قدرة المصارف اللبنانية بالتعاون مع المصرف المركزي على امتصاص الصدمة الأولى برّدت قليلاً خوف المواطنين، إلا انها لم تخفف من غضبهم. خصوصاً بعدما عجزوا عن سحب رواتبهم بالدولار من الصرافات الآلية ATMs. وبحسب أحد المواطنين فإن "كمية الدولار التي وضعت في الصرافات كانت قليلة جداً، وقد نفدت سريعاً، ولم يُعبأ كثير منها مجدداً بالعملة الخضراء".

بالرغم من عددها الكبير الذي بلغ نهاية العام 2018 حوالى 3910 ATMs، فهي لم تهدأ طيلة فترة النهار، وشهدت بدورها تهافتاً للمواطنين هرباً من الوقوف أمام "الكونتوارات".

تقييد ناعم

جمعية المصارف أكدت في بياناتها على انه لا يوجد تحديد "سقوف للسحب"، لان مثل هكذا إجراء يتطلب إصدار قانون خاص، بيد أن الوقائع على الارض تدحض هذه الإدعاءات. وبحسب المستشار الإقتصادي خير الدين طبارة فإن "المصارف تلبّي حاجات الزبائن بشكل طبيعي، إلا أنها تعتمد نوعاً مخفياً من capital control من خلال السماح لأصحاب الودائع الكبيرة بسحب 5 في المئة فقط نقداً من مجمل ودائعهم، وإعطاء المبلغ المتبقي على شكل شيك موقّع من شخصين في المصرف، مسحوب على مصرف لبنان، وأيضاً من خلال تحديد سقف أسبوعي أو يومي للسحوبات، وعدم تلبية دفع الشيكات". وبحسب طبارة فإن "هذه الإجراءات التي تتّبعها المصارف لا تعتبر تقييداً لحرية تنقل وتداول رؤوس الاموال، إذ إن أميركا، بوصفها أكبر مركز مالي واقتصادي حر في العالم، تتّبع مثل هذه الإجراءات". أما في ما يخص العمولة على السحب وبقية الاجراءات المقيدة والمكلفة فهي "تُدرج تحت خانة مصاريف إدارية، وقد سمح بها قانون النقد والتسليف. ويحق للمصارف اتّباعها بشكل نسبي ومتفاوت، لكن طبعاً تحت مراقبة وإشراف المصرف المركزي لئلا يتمّ إستغلال الزبائن".

مقابل تعليقات المواطنين اللاذعة التي وصفت إجراءات المصارف بـ"عملية النهب المنظمة، والبلطجة والسرقة..." وغيرها الكثير من التعابير، تعتبر أوساط مصرفية أن ما يحدث "يهدف الى تقليص الطلب على الدولار قدر الإمكان، والدفع أكثر باتجاه التعامل الالكتروني بعيداً من التداول النقدي للعملة الخضراء".