يوسف مرتضى

كتلة 17ت النيابية ثمرة تحوّل وما بعد مجلس 2022 ليس كما قبله

27 أيار 2022

02 : 00

حتى عشية المرحلة الأولى من الانتخابات النيابية في الثامن من أيار 2022 كانت أبواق المنظومة تهدر في مقالبها المختلفة، مطمئنة لنتائج انتخابات دفعت على سكة الوصول اليها خلال الأشهر السابقة، المال الوفير، ووزعت أطناناً من المواد الغذائية والمازوت في أكثر من منطقة في عملية شراء مفضوحة للذمم، علّها تعيد إنتاج نفسها ولو بشرعية شعبية مزورة. وما شجع المنظومة الفاسدة على تأملها ذاك أمران: الأول هو ما أشيع من أجواء إحباط في الشارع عن إمكانية أن تحقق الثورة أي اختراق في جدار سلطة متجذرة تملك كل تلك الإمكانات المادية والقدرات الإعلامية في عملية شد العصب الطائفي والمذهبي فتهزم قوى التغيير المشتتة بالضربة القاضية. الأمر الثاني، هو عدم نجاح قوى التغيير في الإئتلاف ضمن لوائح انتخابية موحدة ما سوف يؤدي إلى تشتيت اصواتها في مواجهة لوائح قوى السلطة التي عملت جاهدة على تجميع صفوفها في أكثر من دائرة انتخابية. ولكن كلمة حق تقال، إن ما أظهرته مشهدية حماسة صفوف المغتربين أمام مراكز الاقتراع في أكثر من بلد في الخارج قد غيّر الصورة، ولعب دوراً كبيراً في إنعاش الأمل في صفوف قوى التغيير في الداخل، لجعل الخامس عشر من أيار 2022 تاريخاً جديداً للبنان من نوع جديد. وهكذا كان يوم حصاد قوى 17ت في الانتخابات النيابية أمراً محبطاً لأهل السلطة وأتباعها، وفاتحاً باب المجلس النيابي أمام كتلة ثورية من 14 نائباً، يمثلون 330 ألف ناخب لبناني من طائفة واحدة، هي طائفة الوطنية اللبنانية.

هذه النتيجة التي مثّل الاغتراب فيها حجر الزاوية، كان يمكن أن تكون مضاعفة لو اعتمد الميغاسنتر حتى مع القانون السيئ الذي فصّلته قوى المنظومة على مقاسها في مرحلة المحاصصات الكبرى عشية انتخابات عام 2018.

إن فوز قوى 17ت بكتلة نيابية وازنة نسبياً، قد مكّنها من إنزال الهزيمة بالعديد من ركائز المنظومة من أسعد حردان إلى طلال أرسلان ووئام وهاب وإيلي الفرزلي وفيصل كرامي، وتقليص حجم الغطاء المسيحي الذي احتمى به «حزب الله» منذ تفاهم مار مخايل العام 2006 ليرهن القرار السياسي اللبناني لمصالح محور إقليمي لا ناقة للبنان فيه ولا جمل ، بل على العكس من ذلك قد تسبب في عزلته العربية والدولية، وكان سبباً أساسياً فيما تتخبط به البلاد من أزمات.

لماذا تمكنت قوى التغيير من تحقيق هذه النتيجة في الانتخابات النيابية؟

1 - لقد أثبتت نتائج الانتخابات بأن ثورة 17ت 2019 لم تكن حراكاً مطلبياً محدوداً، ولا هي انتفاضة موسمية أو لحظية، إنما هي ثورة وعي شملت مئات الألوف من اللبنانيات واللبنانيين الذين ملأوا الساحات تحت راية العلم اللبناني وحده، وهتفوا على أنغام النشيد الوطني بصوت واحد، نريد دولة المواطنة لا دولة الطوائف والمذاهب، التي أفلست البلاد وأذلت العباد خلال العقود الماضية. وما يجعلني أخلص إلى هذا الاستنتاج، هو أنه رغم ما اعترى مسيرة الثورة من العام 2019 حتى عشية الانتخابات النياببة من سكون بسبب كورونا من جهة وبسبب قمع اجهزة السلطة وأحزابها للثوار من جهة ثانية، وبسبب الضائقة المعيشية التي كانت تلقي بثقلها على الثوار وعلى جميع المواطنين يوماً تلو الآخر من جهة ثالثة، ورغم فشل مجموعات وقوى واحزاب الثورة في تشكيل لوائح انتخابية موحدة من جهة رابعة والقدرات المالية المحدودة لهذه القوى من جهة خامسة، أظهرت نتائج الانتخابات، أن تحولاً كامناً في الوعي الذي انفجر في 17ت قد ظهر بوضوح في صندوقة الاقتراع. فنواب الثورة وإن ترشحوا على مواقع لها ميزتها الطائفية التزاماً بما ينص عليه القانون، لكنهم انتخبوا ممثلين للوطنية اللبنانية وليس لهذه الطائفة أو تلك، ولا أداة لهذا الزعيم أو ذاك، خاصة وأن العديد منهم كانوا قد تعرضوا لحملات تحريض منظمة من مرجعيات طائفية ساءها وصول شابات وشباب إلى الندوة البرلمانية يحملون خيار الدولة المدنية، ويطالبون بقانون مدني للأحوال السخصية.

إذاً هي مسألة تحول في الوعي الاجتماعي نحو التغيير، إلى دولة مدنية حديثة تنشدها الأجيال الشابة. تحوّل لا بد من الرهان عليه وعلى إمكانية تطويره خاصة إذا ما نجحت كتلة 17ت في تصويب مسار العمل التشريعي وإعادته إلى نصابه الدستوري بعيداً من التسويات والمحاصصات وهو ما نثق بحدوثه حتماً.

2 - إن إسقاط حكومة الحريري في بداية الثورة قد أدى إلى إسقاط التسويات بين أفرقاء المنظومة التي طالما شكلت قاعدة المحاصصة بينهم. فتفرقوا وتخاصموا ما أضعف قبضتهم وسطوتهم، هذا فضلاً عن فشلهم المتنامي في مواجهة تحديات الأزمة المعيشية والمالية التي ازدادت تفاقماً، فازدادت نقمة الناس عليهم.

3 - إن خروج سعد الحريري من معادلة الانتخابات النيابية قد زاد في خلخلة تركيبة القوى الحاكمة، ما ساعد في إفادة قوى التغيير منه انتخابياً بهذه الطريقة أو تلك.

4 - رغم تعدد لوائح قوى التغيير والاعتراض في مختلف الدوائر، إلا أن الناخب عرف كيف يميّز بين لائحة وأخرى فأعطى صوته للائحة الأقرب إلى الاختراق. وهنا لو احتسبنا الأصوات التي حازت عليها قوى التغيير في اللوائح المختلفة لكنا فزنا بعشرين نائب على الأقل.

وتجدر الإشارة إلى أنه حيث توحدت قوى التغيير والاعتراض في لائحة واحدة كما حصل في (الجنوب الثالثة) وهي من أصعب الدوائر تمكنت الثورة من الخرق فيها بنائبين، وحيث فشلنا في تشكيل لائحة واحدة في بعبدا مثلاً خسرنا الحاصل بفارق 800 صوت، وخسرنا بضوء ذلك احتمال الاختراق بمقعدين بفارق مئات الأصوات أحدهما المقعد الشيعي لواصف الحركة بفارق 600 صوت ضد النائب فادي علامة.

أين تكمن أهمية دور كتلة 17ت النيابية في تصويب العمل البرلماني التشريعي ودوره في المراقبة والمحاسبة رغم قلة عددها؟

في ظل نظام الوصاية السورية على لبنان لمدة 15 عاماً، تعطلت الحياة البرلمانية الديمقراطية وكان السوري هو الآمر الناهي فيها. وبين العامين 2005 و2009 كرّس التحالف الرباعي نظام المحاصصة، فغابت معادلة الموالاة والمعارضة. ومنذ العام 2009 حتى 15 أيار 2022 فرض «حزب الله» إيقاعه مستظلاً تفاهم مار مخايل واتفاق الدوحة، على الحياة السياسية والبرلمانية ببدعة الديمقراطية التوافقية وحكومات الوحدة الوطنية، فتحولت الحكومات المتعاقبة إلى مجلس نيابي مصغّر لا حسيب ولا رقيب عليها.

كتلة 17ت ستفرض إيقاعاً جديداً لم تشهده المجالس النيابية السابقة. مقاربتها لإدارة الحكم مقاربة ديمقراطية خالصة، أكثرية تحكم وأقلية تعارض، لا مساومات ولا حكومة وحدة وطنية (تعطيلية). ومجلس نيابي تسوده الشفافية في النقاش والتصويت العلني، ولا مجال لعبارة صُدق ومَشّي يا خال. النواب يمثّلون إرادة الشعب في البرلمان، لذلك يجب أن يكون الشعب على اطلاع دائم بشكل واضح وصريح على أداء نوابه ومواقفهم من مختلف القضايا.

كتلة 17ت تحمل خيار تطبيق الدستور من دون استنسابية أو اجتزاء، واحترام دور المؤسسات الدستورية ونظام فصل السلطات، لذلك المنتظر منها، أن تبادر إلى تقديم اقتراحات القوانين بناء لمواد الدستور لوضع الأسس الكفيلة ببناء دولة المواطنة المدنية السيدة العادلة، المواد 95، 22،28 اللامركزية الإدارية، وكل ما يتعلق باتفاق الطائف لجهة حل المليشيات وتطبيق القرارت الدولية التي تحفظ سيادة لبنان وثرواته.

كتلة 17ت ستكون على تفاعل يومي مع المجموعات والقوى التغييرية لتشكل مع حركة الشارع قوة الضغط اللازمة لتحقيق أهداف ثورة 17ت بتفعيل اجهزة الرقابة والمحاسبة وتحرير القضاء من سطوة احزاب المنظومة الحاكمة. رياح التغيير انطلقت عبر الخيار الدستوري الديمقراطي، الأزمة العامة في البلاد قد تطول، لكن ثورة 17 تشرين ستبقى شعلتها متوقدة ومتفاعلة مع طليعتها في البرلمان حتى تحقيق التغيير المنشود.