ليس التمديد لنبيه بري رئيساً لمجلس النواب مفاجئاً، فنتيجة الانتخابات النيابية الحاصلة للتوّ لا تسمح بتوقع احتمالات أخرى، كما ان إعادة تنصيبه المحتّمة في موقعه، للعقد الرابع على التوالي، لا تستحق الانخراط في معارك لا طائل منها غير بعض الاثارة الشارعية والافرازات التحليلية.
الأمرُ بسيط للغاية، إذ لا يوجد غير بري مرشحاً شيعياً للمنصب، وليس لدى الكتل النيابية المتعددة شيعياً آخر تخاطبه، ثم ان الكتل النيابية في غالبيتها، خصوصاً القديم منها، ليست في موقع الخصم اللدود لبري، لا في السابق ولا في الراهن، كي ننتظر منها حرباً ضروساً ضده، أو الذهاب الى إفشال جلسة المجلس المخصصة لانتخاب رئيسه وهيئته المحترمة.
أصلاً، يفترض بالمجموعات النيابية ألا تقف في موقع المقاطع أو المتغيّب عن جلسة التنصيب، اذ يمكنها الحضور والتصويت بلا أو بنعم أو بورقة بيضاء بدلا من التغيّب والتعطيل. لقد خبر النواب معنى التعطيل الذي مورس ضدهم ومارسوه ضد بعضهم في السابق، وقادهم وقاد البلد معهم الى النتائج التي يدفع ثمنها غالياً اليوم.
ثم انه لو كانت النوايا قائمة وخطط التغيير متكاملة وجدية وتتضمن احالة بري الى التقاعد، لكان يجب بذل كل الجهود لتنويع التمثيل الشيعي، مثلما بذل الثنائي جهوده مشكوراً لتنويع التمثيل المسيحي والسني والدرزي، وعندها لربما كان فاز ممثل للأمة عن الطائفة الكريمة يمكن طرحه لمنافسة الرئيس التاريخي المدعوم من نواب الطائفة اجمعين.
أما في الوضع الراهن فلا شيء يستحق العناء. فبري سيبقى في موقعه فيما يرحل رئيسان على التوالي، والأجدى البحث في بديليهما وفي رئيس الحكومة والحكومة التي يفترض ان تتولى مقاليد الحكم حتى انتهاء العهد الحالي. ومن يدري، ففي ولايته الجديدة هذه قد يكون بري رجل التسويات والمساعدة في الوصول الى الخط النهائي.
ليس البلد وحده من وصل الى خط النهاية، أحياناً الاشخاص انفسهم يصلون الى هذا الخط ويبدأون باستعادة تجاربهم وفحص ضمائرهم، وفي حالة بري، وبعد تجربته في السلطة منذ اكثر من اربعين عاماً، ها هو يعاين ما اسهم في صنعه، وما صنعه ليس فقط ممارسة نيابية ونظاماً سياسياً يكاد يضمحل، وانما هو تراث حزبي خاص محسوب على الامام الصدر الذي سيسأل يوماً ما عن مصير وصاياه بشأن البلد وحركة رعاياه ومحروميه.