أجرى براندن جونز من جامعة ولاية نيويورك في "بوفالو"، وراندال جيميسون من جامعة "مانيتوبا" في "وينيبيغ"، كندا، دراسة مفادها أن نوع اللغة التي يتقنها الناس، بحسب الكتب التي يقرأونها مثلاً، قد يُحدد طريقة معالجة اللغة عموماً. نُشِر ملخّص عن نتائجهما في مجلة "وسائل البحث السلوكي".
استعمل الباحثون في دراستهم وسيلة محوسبة متطورة لتحليل المحتوى المعجمي لأكثر من 26 ألف رواية خيالية مكتوبة بالإنكليزية الأميركية أو البريطانية. ثم قارنوا تلك البيانات بالسلوك المعجمي (أي ميول الشخص عند استعمال اللغة) لدى أكثر من ألف مشارك مقيم في بيئة حيث يقرأ الناس ويتكلمون باللغة الإنكليزية البريطانية أو الأميركية.
يذكر جونز وجيميسون في تقريرهما: "حين يقرأ الناس أو يسمعون لغة معينة، يفهمون تلك اللغة بناءً على خبرتهم الخاصة. وحين نطلب من أي شخص أن يلعب مباراة كرة قدم مثلاً، قد تتغير طريقة تفسير ذلك الطلب بنظره، بحسب جانب الأطلسي الذي نشأ فيه. لكن هل تؤثر أدق الاختلافات في تجربة اللغة بدرجة كبيرة وواضحة على سلوك الفرد وقدراته المعرفية"؟ إنه السؤال الذي حاول الباحثون الإجابة عليه خلال الدراسة.
طوّر العلماء في بحثهم نموذجاً لغوياً محوسباً سمح لهم بالتأكد من وجود روابط بين السلوك اللغوي والموقع الجغرافي ومواد القراءة التي يحصل عليها الفرد.
يقول جونز: "في مجال علم اللغة، قيل سابقاً إن جزءاً كبيراً من قدرتنا على استعمال اللغة غرائزي وإن تجربتنا البيئية تفتقر إلى العمق اللازم لاكتساب المهارات المطلوبة بالكامل. لكن جعلتنا النماذج التي طوّرناها اليوم نُشكك بتلك الاستنتاجات السابقة. يبدو أن البيئة تُحدد سلوكنا اللغوي فعلاً".
بلغ عدد الكتب التي حللها الباحثون 26 ألفاً، وشملت جماعياً أكثر من مليارَي كلمة كتبها ما يفوق 3 آلاف كاتب. كان 1999 منهم من أميركا الشمالية، و738 من بريطانيا.
قارن الباحثون الأنماط اللغوية في الكتب (بحسب جنسيات الكتّاب والحقبة التي عاشوا فيها) بمعلومات مرتبطة بالسلوكيات اللغوية لدى مشاركين في 10 دراسات أخرى تُقيّم الأداء الفردي في المهام النفسية واللغوية.
يضيف جونز: "السؤال الذي يحاول هذا البحث الإجابة عنه هو التالي: "إذا درّبنا نموذجاً يتضمن المواد نفسها التي يقرأها شخص في المملكة المتحدة، مقارنةً بما يقرأه شخص آخر في الولايات المتحدة، فهل سيصبح أكثر شبهاً بهؤلاء الأشخاص؟ اكتشفنا أن البيئة التي يعيش فيها الفرد تُحدد سلوكه على ما يبدو".
لهذا السبب، يعالج من نشأ وهو يقرأ الكتب بالإنكليزية الأميركية اللغة بطريقة مختلفة عن الذي نشأ وهو يقرأ كتباً بالإنكليزية البريطانية، حتى أن طريقة التجاوب مع المهام المبنية على اللغة تختلف بين الطرفَين.
يوضح جونز: "من المفيد أن نملك مجموعة نصية لها طابع ثقافي خاص، ومن الأفضل أن نقتني مجموعة نصية خاصة بزمن محدد. تُسمّى الاختلافات التي نرصدها في البيئة اللغوية والسلوكية، بحسب الزمان والمكان، "فرضية القراءة الانتقائية"".
في المرحلة المقبلة، يريد الباحثون اكتشاف مدى قدرتهم على استعمال وسائل التعلم الآلي لتحسين الاستراتيجيات التعليمية. يقول جونز: "نريد أن نستعين بشخص كي نستعمل تجربته الماضية مع اللغة ونُطوّر نموذجاً عمّا يعرفه. تسمح لنا هذه الطريقة بتحديد المعلومات التي تُعزز القدرات التعليمية لأقصى حد".
كذلك، يرغب الباحثون في استكشاف مدى تأثير نتائجهم الراهنة على الاستراتيجيات التي تحمي من أمراض التنكس العصبي التدريجية، على غرار الزهايمر.
في النهاية، يستنتج جونز: "بدأنا نكتشف أن الشخص الذي يصاب بمرض الزهايمر مع مرور الوقت يتعرض لأنواع محددة من فقدان اللغة وتراجع إنتاجها، ما يعني أنه يخسر على ما يبدو الروابط الدلالية البعيدة بين الكلمات وتلك المرتبطة بكلمات التردد المنخفض أيضاً. هل نستطيع أن نُطوّر مهامّ وحوافز تسمح لهؤلاء المرضى بالحفاظ على قدراتهم اللغوية لفترة أطول، أم يجب أن نُصمّم تقييماً شخصياً لفهم نوع المعلومات التي يخسرونها في نظامهم المعرفي؟ هذا البرنامج البحثي يستطيع الإجابة على هذه الأسئلة المهمة".