أثبت العلماء أن التعرض للأشعة فوق البنفسجية يؤدي إلى تغير البيئة الميكروبية في الأمعاء، لكن برزت هذه النتيجة حصراً لدى متطوعين مصابين بنقص في الفيتامين D.
تكثر الأدلة التي تربط بين الفيتامين D والوضع الصحي.
يعني العيش في مناطق خطوط العرض العليا تراجع الأشعة فوق البنفسجية التي نتعرض لها وزيادة مخاطر نقص الفيتامين D. يزيد هذا الوضع خطر الإصابة بأمراض مثل التصلب المتعدد ومرض التهاب الأمعاء.
تكشف الأبحاث المرتبطة بالبيئة المعوية أن الناقلات الميكروبية قد تؤدي دوراً مهماً في هذه الحالات. لكن ما علاقة الفيتامين D بتلك البيئة؟
حاول فريق من الباحثين من جامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر، كندا، الإجابة على هذا السؤال عبر تحليل طريقة تجاوب البيئة الميكروبية المعوية مع الأشعة فوق البنفسجية.
حين خضعت متطوعات مصابات بنقص في الفيتامين D لثلاث جلسات من الأشعة فوق البنفسجية "ب"، تغيرت بيئتهنّ الميكروبية وحملن مؤشرات تشبه تلك التي رصدها الباحثون لدى المصابين بنقص في الفيتامين D. نُشِرت نتائج البحث في مجلة "الحدود في علم الأحياء الدقيقة".
شملت الدراسة تسع متطوعات أخذن مكملات الفيتامين D طوال ثلاثة أشهر قبل التجارب و12 متطوعة لم يأخذن تلك المكملات. كانت بشرة جميع المشارِكات فاتحة، وتراوحت أنواعها بين 1 و3 بحسب مقياس فيتزباتريك.
سجّلت المتطوعات مستويات مناسبة من الفيتامين D في الدم بعد أخذ المكملات، بينما أصيبت كل المجموعة التي لم تأخذها بنقص في الفيتامين، باستثناء امرأة واحدة.
ثم خضعن جميعاً لثلاث جلسات من الأشعة فوق البنفسجية "ب" التي تستهدف كامل الجسم. فرصد الباحثون زيادة في مستويات الفيتامين D لدى جميع المتطوعات.
ثم قارنوا تركيبة البيئة الميكروبية المعوية لدى جميع المشارِكات قبل العلاجات وبعدها. فلاحظوا تغيرات بارزة في التركيبة المعوية الخاصة بالمجموعة التي كانت تعاني من نقص الفيتامين D في بداية التجربة.
يلخّص المشرف الرئيس على الدراسة، بروس فالانس، نتائج البحث قائلاً: "قبل التعرض للأشعة فوق البنفسجية "ب"، كانت البيئة الميكروبية المعوية لدى هؤلاء النساء أقل تنوعاً وتوازناً من المجموعة التي أخذت مكملات الفيتامين D بانتظام. ساهم التعرض لهذه الأشعة في إغناء البيئة الميكروبية وتجديد توازنها بمستويات مشابهة للمجموعة التي أخذت المكملات، علماً أن البيئة الميكروبية في هذه الفئة لم تتغير بدرجة ملحوظة".
في التفصيل، سجّلت المتطوعات المصابات بنقص في الفيتامين D زيادة في جراثيم متينات الجدار والمتقلبات وتراجعاً في العصوانيات، وباتت مستوياتها لديهنّ تتماشى مع البيئة الميكروبية الخاصة بكل من أخذ مكملات الفيتامين.
توضح إيلس بوسمان التي شاركت في الإشراف على الدراسة: "اكتشفنا أن إنتاج الفيتامين D كان المحرك الأساسي وراء تغيّر البيئة الميكروبية. من المعروف أن الأشعة فوق البنفسجية "ب" تنتج الفيتامين D، وقد بدأنا نفهم الآن أهمية هذا الفيتامين للحفاظ على صحة الأمعاء. صحيح أن هذه الوقائع كانت معروفة على المستوى الفردي، لكنها أول دراسة تربط بين العاملَين معاً. إنها نتيجة مفاجئة نظراً إلى ظهور أثر قوي وواضح خلال أسبوع واحد".
لكن حين سُئِلت بوسمان عن مدة التعرض لأشعة الشمس لرفع مستويات الفيتامين D، دعت إلى توخي الحذر: "خلال الدراسة، استعملنا مصابيح متخصصة لبث الأشعة فوق البنفسجية "ب" من دون التسبب بأي حروق. كان المكان أشبه بغرفة تصوير علاجية في موقع عيادي. يصعب أن نستنتج من هذه الدراسة إذاً مدة التعرض للشمس التي تضمن إنتاج الفيتامين D".
تتوقف تلك المدة على نوعية البشرة وكمية الأشعة فوق البنفسجية في البيئة التي نقيم فيها.
تضيف بوسمان: "للأسف، يصعب أن نتلقى ما يكفي من الفيتامين D من الحمية الغذائية وحدها، لذا من الأفضل أن نأخذ المكملات خلال الشتاء. يجيد الجسم تصنيع هذا الفيتامين انطلاقاً من أشعة الشمس في الصيف".
لا يزال تأثير تقلبات البيئة الميكروبية المشتقة من تغيّر مستويات الفيتامين D على الصحة غير واضح حتى الآن. لكن يظن فالانس أن هذا الأثر يحتل أهمية خاصة لدى المصابين بأمراض التهابية، مثل التصلب المتعدد ومرض التهاب الأمعاء.
في مطلق الأحوال، يقترح الباحثون إجراء دراسات أكبر حجماً، على أن تشمل جميع أنواع البشرة ومشاركين من فئة الرجال والنساء معاً.
في النهاية، تستنتج بوسمان: "استعانت هذه الدراسة بمجموعة انتقائية جداً، فاقتصرت على نساء سليمات ذوات بشرة باهتة. للتأكد من النتائج، ثمة حاجة إلى تكرار هذه الاستنتاجات مع عدد أكبر من المشاركين المنتمين إلى فئات عمرية متنوعة. سنستفيد أيضاً من إجراء التجارب لمعرفة مدى فعالية المعالجة بالضوء لتحسين صحة أمعاء المصابين بالتهابات معوية".