آدم شمس الدين

الكلّ يهرب من مقصلة صندوق النقد الدولي

خلخلة أضلاع الثالوث المصرفي النقدي السياسي "المقدس"

30 أيار 2022

02 : 00

في جردة سريعة أو حتى معمقة في أرشيف الصور والمناسبات قبل وقوع ثالث أسوأ انهيار اقتصادي ومالي في التاريخ الحديث بحسب البنك الدولي، كثيرة هي التكريمات والاحتفاليات التي تجمع باقة من أبرز الوجوه السياسية والمصرفية اللبنانية والتي تكللت غالباً بحضور شخص حاكم البنك المركزي.

في جردة سريعة ايضاً، قليلة هي المحطات التاريخية (أقله بعد اتفاق الطائف) التي شهدت اشتباكات سياسية مصرفية وخرجت الى العلن.

عام 2002 خاضت حكومة الراحل رفيق الحريري مفاوضات عسيرة مع المصارف لاقناعهم وترغيبهم أو حتى ترهيبهم بزيادة اقراض الدولة بالعملات الصعبة. وعام 2014 خاض رئيس جمعية المصارف السابق فرنسوا باسيل مواجهة مختلفة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري على خلفية الفوائد والدين العام وتلبيته من المصارف. باستثناء هاتين المحطتين، يمكن وصف العلاقة الثلاثية للحلقة السياسية والمصارف التجارية والمصرف المركزي بشهر عسل امتد لثلاثة عقود.

إختفت التكريمات والاحتفاليات...

وبدأ الصراع

اليوم، اختفت التكريمات والتهنئات وتبادل الثناء على انجازات تبين زيفها، فاستبدلت بحروب بيانات واتهامات عمن يتحمل مسؤولية الانهيار.

جمعية المصارف تحمل الطبقة السياسية المسؤولية لعدم تنفيذها الاصلاحات اللازمة وعدم الوفاء بدينها، الطبقة السياسية تتراشق الاتهامات في ما بينها وتوزعها بطريقة مدروسة لتضييع الرأي العام بين حاكم المصرف المركزي والمصارف. وحاكم المصرف المركزي يتربع على عرش حاكته المصارف والطبقة السياسية معاً لكنه بات أقل صلابة مما كان عليه.

دقت ساعة الحقيقة

بعد أكثر من سنتين من المماطلة والتهرب من اعلان حقيقة الافلاس وحجم الخسائر والتحايل على صندوق النقد الدولي بتناغم ثلاثي، يواجه «التريو» بتقاطع مصالحه كافة، لحظة حقيقة تمثلت باقرار الاستراتيجية المالية والمصرفية بشكل رسمي وبات من الواضح الا مفر من شر صندوق لا بد منه.

هل بات الثالوث المقدس أمام امتحان خوض معركته كلّ خلف متراسه؟ هل انتهى شهر العسل الى غير رجعة؟



هنري صفير



كلّ يغني على ليلاه... بعنف

كان لافتاً الهجوم الذي شنته جمعية المصارف على خطة الحكومة التي جاءت بنسخة اقل شراسة من خطة سلفها (اي خطة لازارد خلال حكومة حسان دياب) من حيث الشكل على الأقل، وكان لافتاً الرد القاسي الذي جاء على لسان نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي عراب الخطة الجديدة وشريك صياغتها النهائية. وفي ثنايا المواجهة العلنية، لا بد من التوقف عند البيان الاخير للمصرف المركزي الذي تناول فيه مسألة الاحتياطيات الالزامية لديه ومن شهادات الايداع المصرفية وامكان «ليلرتها»، اي ردها بالليرة، وخلاصته «دبروا راسكن». وهو بيان يؤشر في رمزيته وتوقيته الى شبه انفصال قسري بين تقاطع ظرفي ومرحلي للمصالح المتشابكة بين المصارف والمصرف المركزي، عبر تعاميم اصدرها «المركزي» ساهمت في اطفاء خسائر المصارف، وتقليص حجم التزاماته ازاء البنوك بشكل تلقائي.

مصرفي بارز: سيحل صندوق النقد محل الجميع

في مقابلة اجرتها «نداء الوطن» مع مصرفي بارز هجر القطاع المصرفي قبل نصف عقد من الانهيار، باتجاه اسواق مالية اخرى واعدة، أشار المصرفي الى ان «التناغم بين المصرف المركزي والمصارف التجارية ذهب الى غير رجعة»، معتبراً ان كل طرف بات يحارب بمفرده وان أي تجديد لهذا التناغم ما عاد ممكناً.

يرى المصرفي ان قائد الاوركسترا المالية الجديد الذي ستوكل اليه مهمة وقدرة ضبط ايقاع المقاربة ووضع السياسة النقدية والمصرفية والمالية هو الجهة التي تملك قدرة التمويل، اي صندوق النقد الدولي. «هناك حقيقة لا يمكن التغاضي عنها ولو لثانية، وهي ان البلد مفلس مالياً واقتصادياً وسياسياً. لم يمر في العصر الحديث كارثة بهذا الحجم، وما وصلنا اليه لم يعد هناك قدرة حتى لمقارنته بفنزويلا أو اليونان أو قبرص»، يضيف: «صرنا ابعد من الكل». يؤكد المصرفي البارز أن المصرف المركزي مفلس للعب أي دور في خلق علاقة بين الاقتصاد ومن يمول الاقتصاد عادة وهي المصارف، والمصارف مفلسة، والدولة أيضا. «الكل عم بقول ما معي ادفع». لكن ثمة من عليه ان يدفع الثمن أو المساهمة في دفع هذا الثمن على الاقل.

عاند اليونانيون ثم رضخوا للشروط... وهذا حالنا

هنا يدخل المصرفي في مقارنة مع اسواق خبرها جيداً، بالحالة اللبنانية قائلاً: «تحاول المصارف الاستشراس في الدفاع عن نفسها امام شطب رساميلها كما يقترح صندوق النقد، علينا ان نتذكر ان اليونان التي احتاجت الى 450 مليار يورو للوقوف مجدداً، اطاحت بكل مساهمي المصارف، لكن هذه الاطاحة لم تعف المجتمع من دفع جزء كبير من الخسائر لحجم دين بهذه الضخامة». في مقارنة اضافية بين معاندة أجزاء من الحلقة المالية والسياسية، عقد اتفاق مع الصندوق ورفض حزب سيريزا اليسار قبول حزمة الديون الاوروبية، يعتبر المصرفي انها «سياسة متشابهة ترتكز على الهروب الى الامام، تتقاطع والنموذجين اللبناني واليوناني، وفي النهاية التوقيع لا مفر منه. كيف سيتم التوصل الى اتفاق ووفق أي آليات في ظل نظام سياسي غير قادر على اتخاذ اي قرار؟ الامر غير واضح حتى اللحظة».




كمال حمدان


الأزمة أكبر من الجميع

المدير التنفيذي لمركز البحوث والاستشارات كمال حمدان يرى ان كل الاطراف عاجزة وكلها تتراشق المسؤولية، لأن الازمة أكبر من الجميع «أكبر من المصارف والمصرف المركزي والدولة معاً». يتساءل حمدان عن قدرة المصارف الدفاع عن نفسها وعن حجم مساهمتها في الازمة في ظل توقف النظام المصرفي برمته عن العمل: «قص الشعر مستمر على قدم وساق وباتت السقوف على السحب بالليرة اللبنانية بشكل متزايد، وتوقف العمل بالشيكات المصرفية الى حد كبير، كما توقف التعامل بين المصارف». يؤكد حمدان ان المصارف تتحمل المسؤولية الرئيسية دون اعفاء السلطة السياسية والمصرف المركزي من مسؤولياتهم. أما عن سبب الاشتباك الكلامي في ما بينهم، فبكل بساطة يقول حمدان: «القلّة بتولّد النقار».

لحظة تأمل وشك وجودي امام ضخامة الكارثة

لا يعطي حمدان الاشتباك الحاصل أهمية كبيرة، «الكل متورط وتقاذف التهم والمسؤوليات لا يقارن أمام هول الازمة». يضيف حمدان ان الاقتصادي الذي يحترم نفسه يقف في لحظة تأمل وشك وجودي امام ضخامة الكارثة. نسأل: «هل ضخامتها تعني حكماً الانهيار الكلي لهذا الثالوث وعدم قدرته على انتاج صيغة توافقية جديدة»؟ يجيب حمدان انه خلال الحرب الاهلية وصل التضخم الى 120 في المئة واستمر لمدة 10 أعوام، وتطوع الاقتصاد والمجتمع بشكل قسري. الكارثة أن يتوهم البعض بقدرة ادخال المجتمع بهذا المسار مجدداً.

لا بديل عن حكومة بصلاحيات تشريعية استثنائية

أمام العجز وتشابك المصالح واشتباكها في آن معا يكرر حمدان ألا حل إلا في سلطة تمتلك صلاحيات تشريعية استثنائية لمدة زمنية لا تقل عن عامين، تضع برنامجاً،على الرغم من شدة وصعوبة نتائجه، وقد يؤدي الى تجاوب الناس بامكانية توافر الامل مجدداً.

مصرفي يقارن مع ما حصل معه

يراقب صاحب بنك ادكوم السابق هنري صفير العلاقة بين المصرف المركزي والمصارف والسلطة السياسية، ويذهل امام حجم اللامبالاة المقصودة في التعامل مع الازمة. العجب نابع من تجربة شخصية، ومقارنة كيف تم التعامل معه ومع مصرفه لحظة اشتباك سياسي بينه وبين المرحوم رفيق الحريري والسوريين، وبين الاشتباك الحاصل اليوم، برأيه «مصرف لبنان غير قادر على محاربة المصارف التجارية والتي فيها ملكيات لسياسيين». حين ذهب صفير طالباً من المصرف المركزي وضع يده على مصرف ادكوم، يقول ان اول ما حرص على القيام به هو الالتزام بواجباته تجاه المودعين ودفع 36 مليون دولار من جيبه الخاص. «اليوم يجب اجبار المصارف على اللجوء الى مصرف لبنان ومنعهم من التمتع بهذه الصلاحيات واليد المطلقة، لأن الوضع غير قابل للاستمرار».



جمعية المصارف ترفض خطط الحكومة ولا تعبأ بالنتائج!



حذارمن ضياع سنوات في الحلقة المفرغة

يشرح صفير ان الاشتباك الحاصل بين السلطة السياسية والمصارف والمصرف المركزي سيدخل البلاد لسنوات في حلقة مفرغة على حساب المودعين والاقتصاد ككل. «حجم تقاطعات المصالح بينهم لا يسمح بغلبة طرف على آخر لأن ذلك يعني سقوط الهيكل برمته عليهم جميعاً». يؤكد صفير ان الخرق الوحيد الذي يجب أن يحصل في الدوامة لكسر دورانها هو تشجع القضاء لمحاكمة البنوك والتهديد باعلان افلاسها، حينها ستجبر المصارف على اللجوء الى المصرف المركزي لطلب الدمج واعادة الهيكلة. لكن ذلك لا يعدو كونه خطوة اولى ضمن مسار اعادة النظر الشامل في السياسة النقدية ووضع سياسات مصرفية جديدة. لكن قبل ذلك كله، يقول صفير: «مثلما كان علي دفع واجباتي للمودعين من أموالي الخاصة، على المساهمين واصحاب المصارف المفلسة القيام بالمثل ومن أموالهم الخاصة والارباح التي راكموها طوال هذه العقود».