مثل العديد من دول العالم، تتأثر الأرجنتين بعواقب الحرب في أوكرانيا. في آذار الماضي، ارتفعت المنتجات الغذائية بنسبة 7.2%، والمياه والكهرباء بنسبة 7.7%، والملابس بنسبة 10.9%... وبلغ التضخم 16.1% في الربع الأول، و 55.1% خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وهو أحد أعلى المعدلات في العالم.
ويطالب الأرجنتينيون بمساعدة الدولة، وما تقرر على هذا الصعيد يعتبره محدودو الدخل غير كاف. تُرجم ذلك السخط الاجتماعي إلى تظاهرة جديدة جمعت في 13 نيسان الماضي آلاف العمال في بوينس آيرس. وفي وقت سابق من الشهر، وفي إضراب شل صادرات الحبوب، حصل رؤساء شركات النقل على زيادة بنسبة 20% في أسعار الشحن لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود...
إذا كانت عواقب الحرب في أوكرانيا تشكل أحد عوامل هذا التضخم، فهي ليست العامل الوحيد: لقد تدهور الوضع الاجتماعي بالفعل بشكل خطير في الأرجنتين، وتفاقم بسبب عامين من الأزمة الصحية. ورغم تسجيل نمو بنسبة 10% العام الماضي، فان البلاد تعيش تحت اعباء ديون ضخمة تتوالى تداعياتها منذ الازمة التي حلت بالبلاد في 2001. ولم تتعاف منها حتى الآن.
صعوبات في السداد
والقروض المتعاقد عليها، لا سيما مع صندوق النقد الدولي، مصحوبة بإجراءات تقشف يطالب بها الدائنون. في العام 2018، عندما كانت البلاد في حالة ركود، حصلت الحكومة على قرض غير مسبوق بقيمة 45 مليار دولار من صندوق النقد، ليتم سداده في العام 2024. ومنذ ذلك الحين، عاشت الأرجنتين أكثر على إيقاع صعوبة التسديد عند حلول آجال الاستحقاق.
ترافقت الاتفاقية الموقعة مع صندوق النقد الدولي لإعادة تمويل هذا الدين، من بين أمور أخرى، مع متطلبات خفض عجز الميزانية الأرجنتينية والسيطرة على التضخم. وتخطط الحكومة أيضاً للعودة إلى ميزانية الدولة المتوازنة اعتباراً من العام 2025. وبالتالي، يتم إجراء تخفيض في العجز على الفور.
إعتراضات عمالية
تدين النقابات الأرجنتينية منذ سنوات عواقب قرض صندوق النقد الدولي لا سيما الآثار السلبية الواقعة على العمال، لقد خلق هذا القرض الضخم ضغوطاً اقتصادية دفعت بجزء من السكان إلى الفقر. فعندما يمنح صندوق النقد الدولي قرضاً، فإنه يتضمن بشكل منهجي الشروط الناتجة عن متطلبات خفض العجز والإنفاق العام.
وللتذكير فإن القوى العمالية تكافح ضد هذه الرؤية التي تتبناها المؤسسات المالية التي تعتبر الخدمات العامة نفقة وتتطلب كبح الدين العام. وهي (أي النقابات العمالية) تعتبر أن الخدمات العامة (الصحة، التعليم، النقل، إلخ) استثمار للمستقبل وتشارك في إعادة توزيع الثروة، خاصة أثناء الأزمات مثل فيروس كورونا.
هذه الضربات الجديدة للاقتصاد الأرجنتيني تبعث على القلق أيضاً بشأن العواقب التي يمكن أن تترتب على الاستقرار السياسي لهذا البلد الواقع في أميركا اللاتينية الذي تميز بسنوات من الديكتاتورية ويعيش فيه أكثر من عشرة ملايين شخص في فقر.
ويقول مسؤول عمالي ارجنتيني: نحن نعيش في وقت اتسعت فيه التفاوتات الاجتماعية والمادية، مما أدى إلى تفاقم الفجوة في الظروف المعيشية المادية بين نصفي الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي. في الواقع، تُبرز الأزمة الصحية عدم المساواة في الحصول على الرعاية الصحية وجداول التطعيم الشاملة في كل بلد. لذلك، فإن أكبر واجب لدينا كمجتمع هو عدم القدرة على ضمان الحقوق الصحية والاساسية للناس، بينما يتزايد الجوع والفقر لدى معظم السكان.
في هذا السياق، يندد الارجنتيون بـ «صقور عالم المال « الذين يسحبون حبل الديون من أجل الاستمرار في جني الفوائد في لحظة تاريخية من كارثة صحية وإنسانية وبيئية وأمنية للبشرية.
ولمواجهة هذا السيناريو، يتحرك المعسكر الشعبي الأرجنتيني بشكل عاجل، ويطالب بوقف المدفوعات
تقنين دعم الطاقة
وبين الاجراءات القاسية سيتم إعادة تشكيل مساعدات او دعم الطاقة في الأرجنتين لوضع حد لتأثير المكاسب غير المتوقعة على الأسر الأكثر ثراءً. ومع تصاعد التضخم 58% خلال عام واحد، و 37% من الأرجنتينيين يعيشون في فقر، استبعدت حكومة يسار الوسط خيار الزيادة العامة في المساعدة، واتجهت الى دعم انتقائي تنوي تنفيذه اعتباراً من جزيران.
بالتفصيل، فإن الأسر التي تشكل العشر الأغنى لن تستفيد بعد الآن من مساعدة الدولة. وهذا يمثل أكثر من 921000 أسرة بالنسبة للكهرباء وأكثر من 700000 أسرة بالنسبة للغاز. ستكون الزيادات في الاسعار بعد ذلك جزئية ومقسطة: ستشهد ما يسمى بالطبقة الوسطى، أي 65% من الأسر، زيادة فاتورة الغاز بنسبة 20% والكهرباء بنسبة 17%. كما لن يرتفع الغاز للأسر الأكثر فقراً لكن سترتفع فاتورة الكهرباء بنسبة 5% إلى 6%. مثلت هذه المساعدات او الدعم 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2022، بحسب وزارة الاقتصاد التي تنوي تقليص هذا الإنفاق بمقدار 0.6 نقطة. وقد شهدت جميع الأسر بالفعل زيادة في فاتورتها بنسبة 20% في اذار الماضي.
خفض عجز الموازنة
«لا يمكننا دعم الأسر الأكثر ثراءً، لأنهم قادرون على دفع فواتيرهم»، كما تؤكد وزارة الاقتصاد، لكن الحكومة تمشي على البيض،لان تقنين الدعم لا يحظى بالاجماع في ظل ارتفاع الاسعار الذي تعاني منه كل الطبقات الاجتماعية.
يعد التخفيض في دعم الطاقة جزءاً من الالتزامات الرسمية للأرجنتين تجاه صندوق النقد الدولي، وهو جزء من إعادة هيكلة قرضها البالغ 45 مليار دولار. هذا المنعطف الخطر اجتماعياً يتوافق مع أهداف انضباط الميزانية. يجب خفض العجز إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العام 2022، إلى 1.9% العام 2023، ثم إلى 0.9% العام 2024.
وكانت حكومة الأرجنتين توصلت مع صندوق النقد الدولي (IMF) إلى اتفاق نهائي في 3 آذار الماضي لإعادة تمويل ديون بقيمة 45 مليار دولار تقريباً، وهي الاتفاقية التي تم التصديق عليها من قبل غالبية النواب.
تأتي هذه الاتفاقية على خلفية سنوات من الركود وأزمة متعددة الأبعاد تفاقمت بسبب فيروس سارس-كوفيد 19 وحرب روسية - اوكرانية بنتائج وخيمة.
إعادة هيكلة الديون
يذكر انه وبعد أكثر من عامين من توليه السلطة في كانون الاول 2019، ومع عبء إعادة هيكلة الديون مع صندوق النقد، اعاد الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز (يسار الوسط) النقاش حول اتفاقية من حيث المبدأ تتعلق بإعادة التفاوض على قرض بحوالى 45 مليار دولار تعاقدت عليه في 2018 حكومة موريسيو ماكري السابقة ( يمين الوسط).
وقال الرئيس إنه «حل ممكن ومعقول». بدون هذه الاتفاقية، كانت البلاد ستواجه مدفوعات غير مستدامة، بأكثر من 19 مليار دولار في العام 2022، كما في العام 2023، وما يقرب من 4 مليارات دولار في العام 2024. وبالتالي ستتم إعادة جدولتها. وشرح وزير الاقتصاد مارتن جوزمان الخطوط العريضة لهذه «المفاوضات الصعبة حقًا». وهي تستند بشكل خاص إلى السيطرة على العجز العام، الذي من المتوقع أن ينخفض تدريجياً، من 3% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2021 إلى 0.9٪ عام 2024. وأعلن الوزير عن خفض التشدد في المسألة النقدية ورفض أي سياسة تخفيض لقيمة العملة. وكان البيزو انخفض مقابل الدولار في سنة نحو 21% وفي الأشهر الثلاثة الماضية 10%.
إذا كان هدف تقليص العجز العام في العام 2022 يبدو واقعياً، فإن الخبراء يعتبرون أن العام 2023 «مشكوك فيه أكثر، بالنظر إلى أنه عام انتخابات»، مع إجراء انتخابات رئاسية في تشرين الاول.
ملخص تاريخي موجز
كانت العلاقات بين صندوق النقد الدولي والأرجنتين متوترة على الدوام. بعد الحرب العالمية الثانية، رفضت حكومة خوان دومينغو بيرون، باسم سيادة البلاد، انضمام بلاده إلى صندوق النقد والبنك الدولي. ثم اتى نظام ديكتاتوري انضم بعد الإطاحة ببيرون إلى صندوق النقد والبنك الدولي في العام 1956. وفي العام 1976، عندما بدأت دكتاتورية عسكرية أخرى في محاصرة اليسار الراديكالي والقمع الدموي للحركة العمالية، دعم صندوق النقد الجيش بالمال. في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، لعب صندوق النقد دوراً في نشر السياسات النيوليبرالية. في العام 2001، ساعدت تصرفات صندوق النقد عن غير قصد في اندلاع انتفاضة شعبية ضخمة لرفض سياساته والإطاحة بالحكومة. في العام 2018، حاول الصندوق إنقاذ الموقف لحكومة ماوريسيو ماكري الليبرالية الجديدة من خلال إقراضها أكبر قرض في تاريخها: 57 مليار دولار (منها 45 ملياراً تم تحويلها بسرعة كبيرة). في العام 2019، وصلت جبهة تودوس، التي تدعي أنها تحالف بيروني، إلى السلطة منددة بقرض الصندوق هذا، وتعهدت بتحرير البلاد من القيود الائتمانية.
لكن الرئيس ألبرتو فرنانديز وحكومته لم يلتزما بتهديدهم ودخلوا في مفاوضات مع صندوق النقد التي انتهت في آذار الماضي 2022 باتفاقية، وهي الاتفاقية الثانية والعشرون مع الصندوق منذ العام 1956! !!

لأول مرة في علاقتها الطويلة مع الصندوق - بعد عشرين عاماً من التعثر التاريخي في العام 2001 - تم التوصل إلى اتفاق بين الأرجنتين والمؤسسة المالية بشأن إعادة تمويل ما يقرب من 44 مليار دولار من الديون المتعاقد عليها خلال ولاية حكومة موريسيو ماكري السابقة (2015-2019).
تعثرت الأرجنتين ٩ مرات في سداد ديونها
- حصلت مجدداً على قرض من صندوق النقد قيمته 44 مليار دولار
- خطة المساعدة على 30 شهراً والمراجعة فصلية
- تسديدات موزعة على 10 سنوات
- الهدف تعزيز القدرة على تحمل دين عام نسبته الى الناتج أكثر من 100% وتصحيح الميزانية ودعم النمو، وضبط تضخم متواصل ومرتفع (51% في2021)
- زيادة الاحتياطيات والتي هبطت إلى أقل من 4 مليارات دولار وضرورة خفض العجز المالي من 3% في 2021 إلى 0.9% في 2024
- لا تزال الأرجنتين تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية استثنائية
- الثغرات الاجتماعية هائلة: نسبة الفقر 40%
- لا إجماع سياسياً وشعبياً لتنفيذ الإصلاحات
- مخاطر مرتفعة يواجهها البرنامج بفعل كورونا وتبعات حرب أوكرانيا
كانت الحكومة السابقة حصلت على هذا القرض في العام 2018 إلا أن الأرجنتين واجهت استحقاقات لا يمكنها الإيفاء بها... فتعثرث