في جلسة الساعات الخمس التي جمعت رئيس الحكومة سعد الحريري بوزير خارجيته جبران باسيل، بوصفه "الحاكم" باسم عهد الرئيس ميشال عون، المضمون يطغى على كل شيء. سيكون بوصلة المرحلة المقبلة المرشحة لتشهد نفضة إدارية غير مسبوقة. أقله، هكذا يأمل رئيس "التيار الوطني الحر".
ولكن للشكل هنا، بعض الدلالات. أن يستنزف الرجلان أكثر من ساعتين من جلستهما، ليتبادلا العتب على خلفية ما شهدته متاريس فريقيهما قبل أيام، فتلك مسألة تستوجب بعض التدقيق.
استفاض الحريري وباسيل في نبش "قبور" الاتهامات التي ساقها العونيون والحريريون بحقّ بعضهم البعض، وتراشقا كرات اللوم النارية ازاء سعي كل فريق إلى تحجيم الآخر: الحريري حمّل البرتقاليين مسؤولية إضعافه أمام بيئته، فيما باسيل غمز من قناة دعم "تيار المستقبل" لـ"القوات" على حساب مصلحة "الوطني الحر".
يحتلّ الجانب الشخصي في علاقة شريكيّ التسوية الرئاسية حيزّا مهماً من الاهتمام. غالب الظن أنّ هذا العامل ساهم في تعزيز العلاقة منذ نشوئها على ضفاف خصومة شرسة لتستحيل شراكة "شيطانية".
عملياً، تعود بدايات التقارب بين الخصمين السابقين، إلى أواخر العام 2013 قبيل تأليف حكومة تمام سلام. آنذاك، أيقن رئيس "تيار المستقبل" انتهاء صلاحية "الرفاهية" التي أتاحتها "انتفاضة الأرز"، مقابل ازدياد الطوق الداخلي ضغطاً. تقول المعلومات إنّ الحريري بنفسه هو من أطلق فكرة تحطيم الجدار الحديديّ القائم بين بيت الوسط والرابية. هو الذي "نيشن" على ميشال عون وقرر كسر قواعد اللعبة.
كان "الجنرال المعارض" يواظب "بصمت" على توجيه رسائل تطييب خاطر عبر أكثر من شخصية عملت على خطّ التهدئة وتبادل الخدمات: غطاس خوري، الان عون، نبيل نقولا، جهاد العرب، منصور بطيش... وغيرهم.
هكذا حصل لقاء - القمة في كانون الثاني 2014، (سبق أن التقيا في باريس نهاية تشرين الأول 2007)، في منزل الحريري في باريس، وليس في روما كما حاول الفريقان الإيحاء، في حضور غطاس خوري الذي تربطه علاقة قديمة بعون تعود إلى العام 1989.
أهم ما تمخّض عنه اللقاء هو طلب عون من الحريري إدخال باسيل إلى حلقة الحوار المغلقة... وإقفالها على نادر وجبران!
هنا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الحريري حين قرر تأمين ممر آمن بين بيت الوسط والرابية، لم تكن الرئاسة على جدول حساباته. حينها كان يدرك تماماً أنّ طرحها "ضرب جنون" في ظل الممانعة السعودية والرفض الأميركي وحالة العداوة المستحكمة بعلاقة البيئتين العونية والحريرية.
جلّ ما سعى إليه هو فرط عقد معارضة قوى الثامن من آذار من خلال تخفيف حدّة موقف الجناح المسيحي... وهكذا حصل. قيل آنذاك للعماد عون أنّ السير معاً في النفق الرئاسي، يتطلب المرور بداية بـ "المطهر السياسي"، لتهيئة مناخ مؤات وملائم ينقل العلاقة من ضفّة "الاقتتال" إلى برّ الشراكة.
بناء عليه، كان تسهيل ولادة حكومة تمام سلام بمثابة إعلان نوايا، أما طاولة مجلس الوزراء فاستحالت مختبراً يومياً للعلاقة المستجدة: تعيينات بالجملة تعبر معمودية التفاوض المباشر بين باسيل ونادر الحريري، وتلزيمات بالملايين وقعت "صدفة" على آل العيتاني...
قبل ساعات معدودة من مغادرة الرئيس ميشال سليمان قصر بعبدا، كان غطاس خوري ونادر الحريري ضيفين عزيزين في الرابية يتأبطان طرحاً محدداً: تمديد موقت للرئيس المغادر يكون بمثابة تكريس للنقلة في العلاقة بين "الزرق" و"البرتقاليين". كان رفض الثامن من آذار قاطعاً: لا تمديد ولو ليوم واحد.
عادت الغيوم السوداء تتلبّد فوق سماء بيت الوسط: الرئاسة طارت من المربع الوسطي وغطت في ملعب الخصوم. هكذا نجح الرئيس نبيه بري في دغدغة طموحات الحريري: ترئيس سليمان فرنجية مقابل عودة نجل رفيق الحريري إلى السراي الكبير! وفي تشرين الثاني 2015 كان اللقاء- القنبلة بين الحريري وفرنجية في باريس.
وحين تسلل الشكّ إلى ذهن المحيطين بعون، سارع "حزب الله" إلى مدّه بالمقويات الداعمة: أنت مرشحنا الوحيد. استعادت مولدات التفاوض المباشر بين الحريري وباسيل حرارتها، تزامناً مع حركة مكوكية بين الرابية والضاحية الجنوبية قادها أيضاً باسيل.
في تلك الأثناء كان مقرّ عين التينة أشبه بصالون عصف فكري بين "حزب الله" و"تيار المستقبل". على تلك الطاولة تسللت الاسئلة حول حقيقة دعم "حزب الله" للعماد عون والموقف من فرنجية. الوزير السابق نهاد المشنوق ونادر الحريري من أبرز مهندسي "الفكرة الانقلابية". تمّ عرضها على السعودية على قاعدة أنّ عون سيادي بالفطرة بينما فرنجية صديق بشار الأسد، وبالتالي إنّ السير بخيار الأول فيه مكسب أكثر ورهان أقل.
لكن السؤال- المفتاح حمله عون بنفسه إلى الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله: "الحريري قد يقبل بدعم ترشيحي ولكنه قد يسأل عن موقف "الحزب" ازاء رئاسته الحكومة". كان الجواب: نحن نؤيد أي خطوة تساهم في بلوغك القصر. وهي تعني ضمناً الموافقة. وانطلق قطار الرئاسة، بقيادة "القبطان" جبران باسيل.