فريدريك نيتشه...فيلسوف أُسِيء فهمه طويلاً!

6 دقائق للقراءة

لطالما كره فريدريك نيتشه أن يصوّره أحد واعتبر آلة التصوير "عملاقاً مخيفاً ذا عين واحدة". في جميع الصور المتبقية له، يبدو شارداً ومنزعجاً. تكتب سو بريدو في سيرة جديدة ونموذجية عن حياته بعنوان I Am Dynamite! (أنا عبوة ديناميت!): "لطالما بدا وكأن ملابسه مُستعارة. لا يقع مرفقاه وركبتاه في المكان الصحيح، وسترته مشدودة في موقع الأزرار".

إنه رجل بملابس غير مناسبة! هكذا عُرِف نيتشه على مر التاريخ، ومن المعروف أن النازيين والقوميين أخطأوا في تصويره طوال عقود. تحت إشراف شقيقته إليزابيث التي كانت خادمة لدى هتلر، أُعيد تحويل هذا الفيلسوف الذي عارض القومية الألمانية ("ألمانيا، ألمانيا فوق كل شيء، هذه هي نهاية الفلسفة الألمانية")، ومعاداة السامية ("سأطالب بإطلاق النار على جميع المُعادين للسامية")، إلى مهندس فكري من عصر الرايخ الثالث، ووزّع النازيون نسخاً من كتابه Thus Spoke Zarathustra (هكذا تكلم زرادشت) على الجنود في ساحات المعارك.

ساهمت الدراسات الأكاديمية على مر خمسين سنة في تغيير سمعة نيتشه وكشفت عن حجم تدخل إليزابيث في هذا المجال. فهي اعتنت به في سنواته الأخيرة، عندما اكتسب الشهرة، لكنه كان قد فقد صوابه منذ وقت طويل حينها. بموافقة ضمنية من هايدغر، جمعت ملاحظات غير معلنة وحوّلتها إلى مراجع صغيرة وسامّة حيث صُوّر نيتشه كناطق باسم النازيين. جُرّدت أفكاره عن مفهوم "الرجل الخارق" والرغبة في السلطة من جوانبها الاستفزازية والتهريجية واتخذت منحىً استبدادياً مباشراً. أما "الثوابت الصعبة" التي اقترحها على كل فرد (أي التمتع بالشجاعة والبحث عن العدو والاستمتاع بالحرب)، فتمّ التعامل معها بطريقة حرفية فاضحة وتبنّتها الأوطان على نحو غريب، علماً أن العنصر الوحيد الذي كان يكرهه نيتشه أكثر من الحرب بين وطنَين (كانت الحرب بنظره شكلاً من الجنون) هو مفهوم الوطن بحد ذاته. حتى أنه تخلى عن الجنسية البروسية في مرحلة مبكرة من مسيرته المهنية وبقي بلا جنسية بكل فخر.

في هذه السيرة الجديدة، يخرج نيتشه من عالم الشائعات والمعلومات المغلوطة التي تتمحور حول أخلاقه الحميدة وشاربه السخيف ونظاراته ذات العدسات الزرقاء لحماية عينيه الحساستَين. تتكل بريدو هذه المرة على تقنية التثليث في رسم الخرائط، وتستعمل الزمان بدل المكان كنقطة مرجعية ثابتة وتصبّ تركيزها على شخصيته من خلال تحليل أحداث حياته وكتاباته الشخصية وأعماله المنشورة. تقول الكاتبة في مقابلاتها: "أعرف أن هذه الطريقة ليست صائبة في عالم كتابة السِيَر، لكني أبرر خياري بمقطع من كتاب Beyond Good and Evil (ما وراء الخير والشر)، حيث يقول نيتشه إن كل فلسفة عظيمة هي شكل من المذكرات اللاإرادية وغير المحسوسة. بعبارة أخرى، تكون جميع أنواع الفلسفات، بدرجة معينة، عبارة عن سيرة ذاتية. الواحدة تنير الأخرى".

لكن في هذا الكتاب، تدين الأفكار المستنيرة بالكثير إلى وعي بريدو بقدر مقاربتها. قال نيتشه يوماً: "لرؤية أي مفهوم بِكُليّته، يجب أن نملك عينَين، واحدة كي تحب والأخرى كي تكره". لكن لرؤية نيتشه على حقيقته، من المفيد على ما يبدو أن نتمتع برؤية مجهرية مزدوجة للتوفيق بين الروائع والسخافات. كانت حياته عبارة عن جهد إستثنائي وتضحية بالذات، لكن يشوبها تخبّط عميق أيضاً. حين يذهب في عطلة، كان يسهل أن يضيع نظاراته وأمتعته وطريقه. وحالما تبنّاه مرشده فاغنر، تم إرساله لشراء ملابسه الداخلية الحريرية المُصمَّمة خصيصاً له، لكن سرعان ما تعرّض للخيانة حين ذكر فاغنر، في رسالة موجّهة إلى أحد أعدائه المعروفين، أن أسطورة تدهور صحة نيتشه تنجم عن الاستمناء القهري.


أعلن فرويد أن نيتشه، من بين جميع الرجال، كان الوحيد الذي يعرف نفسه تمام المعرفة، وكانت رسائله أحياناً مضحكة جداً ومليئة بالمقاطع الكوميدية. تستمتع بريدو بهذا الجانب من شخصيته، وتستفيد في عملها من خبرتها في حياة الرجال العباقرة الذين تمتعوا بشخصيات ميلودرامية في القرن التاسع عشر. فازت سابقاً بجوائز عن سِيَر أوغست ستريندبرغ وإدوارد مونش (صادف أنهما كانا شغوفَين بأعمال نيتشه: رسم مونش لوحة "الصرخة" بعدما عرّفه ستريندبرغ على مؤلفات نيتشه). عاش نيتشه، رغم نفوذه الهائل، حياةً قصيرة ومعزولة، وتكثر الملاحظات عنه لدرجة أن أي كاتب سيرة كان ليعجز عن مراجعتها كلها. يتعلق بعضها بصداقاته القوية مع فاغنر ولو سالومي، المفكّرة البارزة التي اشتهرت في عصرها ومُلهِمة ريلكي وفرويد. تُركّز بريدو على جانبه النفسي، لا سيما حين تتطرق إلى عدوه الأول: جسمه!

توفي والد نيتشه في عمر مبكر بسبب "تليّن الدماغ"، بعد سنوات من تعرّضه لنوبات صداع مُنهِكة وخَرَس متقطع. أُصيب ابنه أيضاً بمرض أو اضطراب عصبي على الأرجح (تشكّ بريدو بأنه أصيب بمرض الزهري كما هو شائع). كان نيتشه منذ طفولته يصاب بصداع حاد وألم قوي في العين. حتى أن طبيب المدرسة توقع أن يفقد بصره بالكامل. كانت العلاجات حينها مهينة ومؤلمة، فيتمدد وحده في الظلام طوال أسبوع في كل مرة، فيما يوضع عَلَق على أذنيه لسحب الدم من رأسه. ثم في ساحة المعركة خلال حرب بروسيا مع فرنسا، أصيب بالخناق والزحار. كان العلاج حينها يتألف من نترات الفضة، والأفيون، وحمض التانيك على شكل حِقَن شرجية، ما أدى إلى تدمير أمعائه. في كل لحظة من حياته في سن الرشد، كان يعاني من التقيؤ الخارج عن السيطرة، والبواسير، وألم مريع في العين، وكان مذاق الدم في فمه دائماً.

أمضى نيتشه معظم فترات حياته (وهو بكامل صوابه) في التنقل بين المنتجعات في جبال الألب، وراح يبحث بكل يأس عن علاجات فاعلة ويحمل معه كتباً وزنها 100 كلغ. لكن تَصِف بريدو بطريقة لامعة كيف حوّل معاناته إلى حافز إيجابي. فأصبح أسلوبه الشهير، أي الأمثال اللاذعة، طريقته المعتمدة لتلخيص أفكاره خلال الفترات الفاصلة بين نوبات الصداع المريعة وألم العين. كتب نيتشه في Twilight of the Idols (شفق الأصنام): "أطمح إلى قول ما يقوله الآخرون في كتاب كامل بعشر عبارات... أي ما لا يقوله الآخرون في كتاب كامل".

أخيراً، يبدو أن الكتاب لا يُركّز على فلسفة نيتشه بحد ذاتها. تشكر بريدو الفيلسوف نايجل واربورتون لأنه أشرف على هذه الأجزاء الفلسفية التي تبدو وافية لكن جامدة. فهي لا تنقل قوة أفكاره حين استعمل استعارة الإله الإغريقي ديونيسوس، أو استياءه من الميل البشري إلى الخنوع والاستعباد الذاتي، أو دعوته الخاصة إلى المحطمين. تُركّز بريدو بشكل أساسي على أسلوبه. لكنّ ذلك الأسلوب هو الذي جعله أكثر عرضة لتشويه صورته (مع ذلك، أعلن الرجل القومي الأبيض ريتشارد سبنسر يوماً أن نيتشه نبّهه إلى الحقيقة!). لم ينشئ نيتشه مدرسة فكرية أو نظاماً فكرياً، بل رسّخ روح الاستفسار واعتبر نفسه "فيلسوف الاحتمالات اللامتناهية". حتى أنه أنهى أحد كتبه بكلمة "وإلا؟"...

كان نيتشه يعشق فكرة الشاعر أوفيد القائلة: "يعيش جيداً من يختبئ جيداً"! يمكن أن نضيف إلى هذه المقولة كلمة "ربما" على طريقة نيتشه. في النهاية، يوضح هذا الوصف الدقيق والعميق أن أكبر متعة (وأكثرها عدلاً) تكمن في إيجاد من يكتشفنا!