جاد حداد

فؤاد أبو ناضر... "لبنان: نضالي، قضيتي" من المتراس إلى مشروع جديد لعيش مشترك

4 دقائق للقراءة

ليس لبنان وطناً مصطنعاً بل كياناً خاصاً اعتُبر في ظل فخر الدين ملاذاً لكل أقليات المنطقة. وما كان للبنان أن يوجد بعد الحرب العالمية الأولى من دون المسيحيين، فقد أصرّ البطريرك الماروني الحويك على المطالبة بإنشاء لبنان الكبير لاعتقاده "أن مصلحة المسيحيين هي العيش مع الآخرين ومن أجلهم"، وأنّ رسالتهم أن يكونوا "الخمير في العجين" لبناء أمة واحدة.

وعلى الرغم من جميع التقلبات والأزمات والحروب والاحتلالات فإنّ الجميع بدأ يشاركنا اليوم فكرة "لبنان أوّلاً"، وخصوصاً بعدما تبيّن أن "اتفاق القاهرة" كان طعنةً فادحةً في سيادة لبنان واستقراره، وهذا ما جعل رئيس الوزراء فؤاد السنيورة يعطي الضوء الأخضر للجيش اللبناني، إبّان معركة نهر البارد عام 2007 ليقصف المخيم الفلسطيني.

إنّ "لبنان أوّلاً" غدا شعاراً رحّب به الجميع بعدما دفعوا ثمناً باهظاً نتيجة التحاقهم بدول أخرى، وإن ترافق هذا الشعار مع رؤية فؤاد أبو ناضر لما يجب أن يكون عليه لبنان إذا تعهّدنا الإصلاحات، فإنّ صيغة عيشنا المشترك الفريدة سوف تكون قابلةً لأن تُعاش.

بداية السيرة

حدثان هامان أقنعا فؤاد أبو ناضر للتطوّع في صفوف حزب الكتائب وهو في عامه الخامس عشر. الأول يوم كان صاعداً مع أبيه الى برمانا، فأوقفهما رجال مسلّحون وطلبوا هوّية أبيه. صدمته محاولة فلسطينيين الهيمنة على اللبنانيين في وطنهم وإذلالهم. والحادث الثاني خطف بشير في العام 1970 عندما كان متوجّهاً لزيارة مقاتلي الدكوانة. وقد تأكد أنّ قراره كان صائباً بعد تصريح الأمين العام لدار الفتوى والذي جاء فيه:" بالنسبة إلينا نحن مسلمي لبنان، الفلسطينيون هم جيشنا لا الجيش اللبناني".

كان بشير يجسّد القضية اللبنانية التي كان الشباب لأجلها يتجنّدون، وكان يمثّل التغيير، روحاً ونَفَساً جديدين. بينما كان أمين سياسياً أكثر لكنّه حاضرٌ أيضاً أمام جنده.

أسّس بشير القوّات اللبنانية عام 1980، وقرّر أنها ستكون نقيضاً للجيش فلا وساطات ولا توصيات، بعد أن فرض نفسه قائداً على المجتمع المسيحي بعملية "توحيد البندقية" التي بقيت جرحاً مفتوحاً، إذْ بمعركة زحلة تشتعل ويغدو بشير جديراً بأن يصبح رئيساً للجمهورية يتودّد إليه الأميركيون والغرب والعرب. لكنّ الحلم لم يتحقق إذ بعد انتخابه بواحد وعشرين يوماً تمّ اغتياله.

أحداث غيّرت مجرى التاريخ


ينتقل المؤلف بصراحة وصدق من واقعةٍ قد عايشها إلى أخرى، فيروي ما جرى بين أمل والفلسطينيين، وبين أمل و"حزب الله"، حتى يصل إلى حرب عام 1990 التي أنهكت المسيحيين وكانت وصمة عارٍ في تاريخهم الحديث، فتغيّرت المعادلة السياسية بعد مؤتمر الطائف الذي اعتُمدت وقائعه دستوراً للجمهورية اللبنانية.

إرادة العيش معاً


بعد العرض الذي قام به المؤلف انطلاقاً من العام 1970، وبعدما غادر السوريون لبنان عام 2005 واستعدنا حرية القرار، اقترح القيام بنقد ذاتي، إنما ما من تشكيل حزبي أو عسكري قبِل بذلك، فأسّس مع مجموعة مقاومين قدامى جبهة الحرية غير المرتهنة لأيّ حزب، بهدف تدعيم حضور المسيحيين ودورهم الوطنيّ.

تركت هذه التجربة أثراً في طريقة تصوُّر مستقبل لبنان لدى أبو ناضر، واتّجه مع بعض الرفاق إلى تقديم حلول ملموسة تقوم على مصالح جامعة لكلّ الطوائف، فأسس معهم منظمة "نورج" وهدفها حماية وجود المسيحيين بما أنهم لحمة هذه البلاد.

واليوم ينادي فؤاد أبو ناضر مع شلّة من الرؤيويين المخلصين بميثاق جديد لعيش مشترك قادر على كسر الحلقة المفرغة للنزاع والتركيز على ما يوحّد اللبنانيّين. ونجاح هذا المشروع يقوم على ركائز عدّة: الحياد، اللامركزية، توحيد الأحوال الشخصية في القانون المدني الذي سيقود الى الفصل بين الدين والدولة ثم إلى العلمنة، فيسمح بإعداد نظام انتخابي حيث تشعر كل طائفة بأنها ممثلة جيداً ونوّابها غير خاضعين لحزب آخر. إذّاك يشعر كل مواطن بأنه غير مهان، بل يتمتّع بكامل حقوقه، مع العلم بأنّ التربية ستكون في أساس هذا المشروع. وهكذا تتحقق عبارات البابا يوحنا بولس الثاني:" لبنان أكثر من بلد. إنه رسالة حرية ومثال تعدّدية للشرق كما للغرب".

يروي فؤاد أبو ناضر نضاله المبنيّ على قناعة في أعماقه، فحواها أنّ تمرد لبنان عبر التاريخ كان بسبب توقه إلى الحرية. وهو لم يبحث في سرده عن الإيجابية حول ما فعل فقط، والتي اعتمدها رجال الحكم وقادة الميليشيات في مذكراتهم، بل تناول ما كان سلبياً أيضاً كي تتعلّم الأجيال المقبلة من أخطاء تلك التجارب.