مشهدان غير مترابطين، لكنهما يكشفان بوضوح استمرار تداعي مؤسسات الدولة وتراجع تقديماتها وخدماتها، استأثرا باهتمام ابناء صيدا، الاول رفع "صيداوي" يافطة يندد فيها بانقطاع المياه عن صيدا القديمة، والثاني قيام رجل بإصلاح المقاعد على الكورنيش البحري وتنظيف المكان.
وائل القاضي، بائع قهوة جوال في صيدا القديمة، ورب عائلة مؤلفة من 6 اشخاص، يقيم قرب القلعة البرية في حي "الزويتيني"، استشاط غضباً بسبب انقطاع الكهرباء والمياه شبه التام، فرفع يافطة عند محلة البوابة الفوقا في شارع رياض الصلح كتب عليها "صيدا فيها رجال، بس ما فيها مياه، وين المياه يا فاسدين ولادنا عطشانين يا لصوص... بس هيك".
ويقول القاضي لـ"نداء الوطن": "ان الوقفة الاحتجاجية فردية وهي تعبير عن السخط والغضب من تقاعس المسؤولين عن القيام بواجباتهم في ظل الازمات والغلاء، حيث يحتاج المواطنون الى كل الخدمات لسد رمقهم، غير اننا نعاني ومتروكين لنواجه مصيرنا بأنفسنا من دون اي سؤال. الكهرباء مقطوعة عن صيدا منذ فترة طويلة ولا تتغذى سوى بساعتين في اليوم، وتاليا نعاني من شح المياه في صيدا القديمة. منازلنا صغيرة ولا يمكننا الاحتفاظ بخزانات مياه كبيرة لمواجهة الازمة، بالكاد تتسع البيوت القديمة، لذلك نواجه مشكلة يومية، لا تقتصر على المياه التي تستخدم للمنزل وانما للشرب، نحن كعائلة نحتاج الى عدة غالونات للشرب وسعر الغالون لا يقل عن 17 الف ليرة، انه مصروف اضافي وبالكاد نؤمن قوت يومنا".
القاضي الذي يبيع القهوة على "توك توك" صغير، يجول بين أحياء صيدا القديمة لبضع ساعات يومياً، يعاني مشاكل صحية بالقلب والشرايين، تثقل الادوية كاهله، لكنه يعاند المرض ليؤمن كفاف عائلته، يؤكد "لقد شطبت من جدول حياتنا كل الكماليات، وبدأت بترتيب الضروريات الاساسية للعيش، منذ آب الماضي قطعت اشتراك المولد الخاص عن المنزل، لم أعد قادراً على دفع رسومه، واحتاج اليوم الى ادوية واذا اضيف اليها شراء المياه لا يبقى لنا شيء لنقتات به"، ودعا "كل المواطنين الى التعبير عن آرائهم بحرية، فالحياة وقفة عز وشموخ ولا نريد ان نتحول مجرد ارقام فيها، او نكون فيها شهود زور على الفاسدين من دون ان نحرك ساكناً، نريد ان نذكرهم بانهم لصوص وفاسدون ولا نأمل منهم خيراً اذا بقيوا موجودين على رأس عملهم".
وقفة القاضي على الحد الفاصل بين مسربي الشارع الرئيسي، استرعى انتباه المواطنين والمارة، البعض نظر اليه ثم مشى وفي اعتقاده انه لن يغير الحال، والبعض الآخر وقف معه كتعبير عن التضامن، خاصة في ذات المنطقة التي شهدت منذ ايام حركة احتجاج وقطع الطريق للسبب ذاته. ويقول علي بوجي لـ"نداء الوطن": ان الاوضاع تزداد سوءاً كل يوم واليد الواحدة لا تصفق وحدها، والمطلوب حراك جماعي يعيد للساحات والميادين بريقها تأكيداً على مطالب التغيير والعيش بكرامة".
في المشهد الآخر، إنهمك الرجل السبعيني "أبو سامر"، الذي يسكن في حي "الزهور" الشعبي في صيدا، باصلاح بعض مقاعد الكورنيش البحري، وفي تنظيف المكان بعدما امتلأ بالاوساخ وبقايا الطعام، اراد ان يبعث برسالة مؤداها تشجيع المبادرة الفردية كبديل عن إهمال الجهات المسؤولة واستهتار بعض المواطنين وعدم تحليهم بالمسؤولية والأخلاق. وامتداداً، وعلى ضوء الدعوة الى عقد لقاء جامع للقوى السياسية الصيداوية وتحديداً النائبين اسامة سعد وعبد الرحمن البزري، الى جانب العمة بهية الحريري ومسؤول "الجماعة الاسلامية" بسام حمود ورئيس بلدية صيدا محمد السعودي الذي يعمل على انجازه في بلدية صيدا، لتشكيل مظلة سياسية وشبكة امان اجتماعية وخدماتية ومعيشية، ارتفعت دعوات شعبية متوازية الى تشكيل صندوق دعم من الميسورين ورجال الاعمال والمتمولين لسد العجز في تأمين الخدمات الحياتية العامة من كهرباء ومياه وجمع نفايات وسواها، تكريساً لمبدأ التضامن الاجتماعي الذي تشتهر به المدينة، وهناك كثر منهم والمرحلة تتطلب القيام بمبادرة تكون فيه صيدا مجدداً نموذجاً بين المناطق اللبنانية.