بعد معاودة فتح أبوابها، لجأت بعض المصارف الى مراسلة زبائنها، واضعة إياهم بأجواء تدابيرها الجديدة التي تنص صراحة على تجميد كل التسهيلات المصرفية ووقف التحويلات الى الخارج. الرسائل وإن اختلفت بالشكل والعنوان إلا أن مضمونها واحد: تقييد النشاط الإقتصادي.
الربح على حساب الثقة
الخطوات المستجدة أقلقت مجتمع الاعمال، و"بدلاً من تعزيز الثقة بالقطاع، أدت سياسة بعض المصارف، لأسباب نجهلها، الى زعزعة الثقة وزيادة منسوب القلق داخلياً وخارجياً"، يقول رئيس تجمع رجال الأعمال فؤاد رحمة.
هذه الإجراءات الخاطئة التي ترجّح كفة الربح على الثقة، تنذر بأن هناك "قراراً واضحاً من المصارف عن عدم رغبتها بتحمل تكاليف إضافية كي تحافظ على نسب أرباح مرتفعة. وهو ما يسهم بخلق جو غير ملائم خصوصاً في ظل هذه الظروف التي يمر بها البلد"، بحسب رحمة.
زيادة الرساميل
التدابير المصرفية الجديدة ترافقت مع تعميم مقلق من مصرف لبنان يطلب فيه من المصارف رفع رأسمالها بنسبة 20 في المئة، ومنع توزيع أرباحها للعام 2019. التعميم وإن أخذ طابع الإحتياط إلا أنه ينذر بمخاطر قد تتراكم سريعاً على القطاع المصرفي، ويترك تساؤلات عن ملاءة البنوك وقدرتها على مواجهة المستجدات.
تبلغ الرساميل المجمعة للمصارف اللبنانية 20 مليار دولار، في حين تصل الملاءة المالية (رأسمال المصرف + أرباح متراكمة / توظيفات البنك: حسابات مصرفية + تسليفات + سندات خزينة + توظيفات بمصرف لبنان)، بحسب أوساط المصرفيين، الى 16 في المئة، وهو رقم يفوق بنسبة كبيرة المعدل العالمي المطلوب، والمحدد بحسب اتفاقية "بازل" بـ 8 في المئة. إذاً لماذا التخوف، والمطالبة بزيادة رأسمال المصارف؟
المشكلة تقع في مخرج المعادلة أو denominator، حيث يجري ضرب قيمة سندات الخزينة التي يحملها المصرف بـ 150 في المئة، أي أنه يجري تثقيلها، في حال إنخفاض تصنيف لبنان السيادي الى CCC، وهو ما يؤدي الى إنخفاض نسب الملاءة المالية للمصرف وقدرته على حماية أموال المودعين. كذلك الأمر بالنسبة الى ارتفاع معدلات الديون الهالكة، أي قدرة المدينين على دفع متوجباتهم تجاه المصارف، التي تؤدي أيضاً الى تخفيض نسبة الملاءة المالية. يضاف الى هذين العاملين سحب كبير للأموال المودعة، وتحديداً بالعملات الأجنبية، وتراجع أكبر في الودائع القادمة.
تعميم "المركزي"
هذه العوامل المجتمعة فرضت على مصرف لبنان اتخاذ المزيد من الإجراءات الإستثنائية لحماية أموال المودعين وتجنب أي خضة في القطاع المصرفي. حيث من شأن زيادة رأسمال المصارف بنسبة 20 في المئة رفع قيمة الرأسمال من 20 الى 24 مليار دولار. المليارات الأربعة المضافة ستتأمن من المساهمين، وقد قسمت على دفعتين متساويتين بقيمة 2 مليار دولار لكل واحدة، تؤمن الدفعة الاولى قبل نهاية العام فيما تترك الدفعة الثانية للنصف الاول من العام المقبل.
أما عدم توزيع الأرباح فمن المتوقع أن يضيف الى رأسمال المصارف ما مقداره 3.4 مليارات دولار، إذا اعتبرنا أن الربح الصافي السنوي في البنوك يبلغ 1.7 مليار دولار. وبالتالي فإن مجمل رأسمال القطاع سيرتفع في نهاية العام 2020 الى 27.4 مليار دولار.
بين الإيجابيات والسلبيات
في الوقت الذي يرى فيه البعض أن من شأن هذه الخطوة طمأنة المودعين والحد من إخراج الودائع، ينظر اليها البعض الآخر بعين الريبة، فهي تعني:
أولاً، نقض كل الكلام السابق الذي كان يشيد برسملة البنوك المرتفعة جداً.
ثانياً، رفع الرأسمال وفقا للقانون اللبناني يجب أن يكون حكماً بالليرة اللبنانية، فلماذا يطلب تحديده بالدولار الأميركي.
ثالثاً، الآلاف من حملة الأسهم التفضيلية للمصارف من صغار المستثمرين، لن يتقاضوا أرباحهم لمدة سنتين.
رابعاً، مع زيادة رأسمال المصرف تتراجع اسعار الأسهم.
خامساً، على عكس المساهمين الكبار في المصارف والذين هم عادة من أصحابها، فان المساهمين الصغار سيلجأون الى بيع ما يحملونه من أسهم بأسعار أقل من القيمة الحقيقية تجنباً للمزيد من إنخفاض في أسعارها مستقبلاً.
الدمج حاجة
في ظل إرتفاع المخاطر وازدياد المخاوف تبرز "الورقة البيضاء" لشركة الاستشارات العالمية "KPMG". والتي عبرت بصراحة عن ضرورة البدء سريعاً بعملية تجميع البنوك اللبنانية، من خلال عمليات الإستحواذ والدمج، للإبتعاد عن المخاطر، رفع المرونة، ومواكبة التطورات العالمية.
فبحسب المدير التنفيذي لـ "KPMG" في لبنان نافذ المرعبي القائل: "عمليات استحواذ البنوك الكبيرة على الصغيرة، والاندماج، لم تعد مجرد خيار، بل تتجه لتصبح أمراً واقعاً يفرض نفسه على المصارف، وذلك لحمايتها وحماية النظام الاقتصادي". فالضغوط الاقتصادية التي يعيشها لبنان وغياب الاستقرار وزيادة المتطلبات العالمية وأنظمة الحماية والمراقبة وحاجة القطاع المصرفي الى رفع مرونته تجاه التحديات وتقليل المخاطر، تفرض السير جدياً بتطبيق القانون رقم 192 الصادر في العام 1993، الذي يقضي بتشجيع ودعم عمليات الاستحواذ والدمج من قبل المصرف المركزي.
الوقت ليس للمنافسة
على الرغم من الأزمات التي تنهال على البلد من كل حدب وصوب، يؤخذ على المصارف تنافسها المحموم على القليل من الأموال والودائع، التي تدور في فلكها بشكل أساسي، بعد انخفاض منسوب التدفقات الخارجية. وبحسب متابعين للملف المصرفي، فإن الوقت اليوم ليس للتنافس على الفتات بقدر ما هو لتحصين القطاع وزيادة مناعته وبث الثقة، حماية له وللإقتصاد، وبالتالي فإن تدابير زيادة الرساميل أو أي تدابير مماثلة لن تكون إلاّ في خانة "قلّة التدبير".