يدرك معظمنا أننا نعجز عن تشكيل ذكريات جديدة من دون النوم. ولكن هل الراحة فحسب لمدة عشر دقائق بعد التعلّم من دون الغرق في عالم الأحلام كافيةً كي نتذكّر ما تعلمناه بدقة؟ هذا ما يشير إليه بحث جديد.
يترافق النوم والذاكرة بشكل لصيق. "يعوق" الأول آليات النسيان في الدماغ، مخفضاً الناقل العصبي الدوبامين، ما يسهّل بالتالي تشكّل الذكريات.
علاوة على ذلك، كشفت دراسات حديثة أن النوم أساسي لترسيخ الذكريات التي كوّناها أثناء اليقظة، فضلاً عن صون قدرة الدماغ على تعلّم أمور جديدة في المستقبل.
على سبيل المثال، أظهرت إحدى الدراسات أن مشابكنا العصبية تسترخي خلال النوم وتظل لينة ومرنة، ما يحافظ على لدانة الدماغ العصبية وقدرته على التعلّم. في المقابل، تؤدي قلة النوم إلى تصلب المشابك العصبية وتعوق القدرة على تعلّم الأمور الجديدة على الأمد الطويل. ولعل المفاجئ حقاً تمكن الباحثين أخيراً من التدخل في عملية ترسيخ الذاكرة التي تحدث خلال النوم بمسح أدمغة مجموعة من الأشخاص، فاختاروا عشوائياً بعض الذكريات وعززوها.
ولكن هل تكون فترة وجيزة من الراحة من دون الغط في النوم مفيدة أيضاً لتشكّل الذكريات الجديدة؟ هذا ما تشير إليه دراسة أجراها مايكل كريغ، باحث في جامعة هيريوت-وات في إدنبرة بالمملكة المتحدة، بالتعاون مع ميكايلا ديوار، رئيسة باحثين وبروفسورة مساعدة من الجامعة ذاتها.
يذكر كريغ: "تُظهر الأبحاث الجديدة أن نظام الذاكرة يقوّي الذكريات الجديدة الضعيفة بـ"إعادة تنشيطها" حين يعاود نشاط الدماغ الذي لوحظ أول مرة خلال التعلّم الظهور تلقائياً في الدقائق التالية".
بالاستناد إلى نتائج بحثهما، يوضح الباحثان: "ينطبق ذلك خصوصاً على ما يحدث خلال النوم والراحة الهادئة، حين لا ننشعل بتلقي معلومات حسية جديدة".
بالإضافة إلى ذلك، يكشف البحث الجديد أن فترة من الراحة الهادئة لا تساعدنا في تذكّر أمور جديدة فحسب، بل تُعتبر هذه الراحة أساسية أيضاً لحفظ التفاصيل الدقيقة.
نُشرت هذه الاكتشافات الجديدة في مجلة Nature Scientific Reports.
دراسة الذكريات الدقيقة
صمم كريغ وديوار اختبار ذاكرة بهدف تقييم القدرة على حفظ المعلومات الدقيقة. طلبَا من 60 مشاركاً بالغاً من الرجال والنساء بلغ متوسط عمرهم 21 سنة تأمل مجموعة من الصور.
سأل الباحثان المشاركين التمييز بين الصور "القديمة" والصور "المتشابهة". إذا كانت قدرة المشاركين على حفظ التفاصيل الدقيقة جيدة، يجيبون أن الصور "متشابهة". "ولكن إذا حفظوا ذكريات تفتقر إلى التفاصيل، يغفل المشاركون عن الاختلافات البسيطة في الصور المتشابهة، فيخالونها صوراً قديمة"، وفق كريغ.
يعرض كريغ الاكتشافات "المثيرة للاهتمام" التي توصلا إليها، قائلاً: "تمكن الشباب البالغون الذين ارتاحوا بهدوء في الدقائق التي تلت عرض الصور من ملاحظة الاختلافات الدقيقة في الصور المتشابهة".
يضيف موضحاً أن هذا الأمر يشير إلى أن "هؤلاء المشاركين خزّنوا ذكريات أكثر تفصيلاً، مقارنةً بمن لم يرتاحوا".
"تقدّم هذه الاكتشافات الجديدة أول دليل على أن فترة وجيزة من الراحة بهدوء تساعدنا في حفظ ذكريات أكثر تفصيلاً"، وفق كريغ.
يتابع: "نعتقد أن الراحة بهدوء مفيدة لأنها تسهم في تعزيز الذكريات الجديدة في الدماغ، ربما بدعم عملية إعادة تنشيطها التلقائية".
لكن كريغ يقر بأن الآليات الكامنة وراء هذه الظاهرة المفاجئة لا تزال لغزاً.
يختم: "لا نعرف بالتحديد طريقة عمل عملية تقوية الذاكرة المرتبطة بالراحة هذه. وما زلنا نجهل خصوصاً ما إذا كانت الراحة بهدوء تتيح لنا حفظ المزيد من المعلومات فحسب أو أنها تساعدنا أيضاً في حفظ ذكريات أكثر تفصيلاً".