لماذا نصدّق هواجسنا الخاطئة؟

4 دقائق للقراءة

يعرف الباحثون أن ظاهرة "وهم سبق الرؤية" أو ما يعرف بالـDéja vu أو الشعور بأننا اختبرنا التجربة نفسها في السابق ونعيشها مجدداً في الزمن الحاضر، قد تترافق مع هواجس خاطئة. لكن هل ترتبط أيضاً بالتنبؤ بعد الحدث، أي الإحساس بأن هواجسنا الخاطئة كانت صحيحة؟

يكشف بحث جديد أن وهم سبق الرؤية يؤثر على جوانب من استرجاع الذكريات. هل انعطفتَ يوماً ودخلتَ شارعاً لم تقصده سابقاً، لكن انتابك شعور قوي بأنك سلكتَ المنعطف ودخلتَ الشارع نفسه في لحظة معينة من الماضي، أو ربما في حياة أخرى؟ هذا هو معنى "وهم سبق الرؤية".

وإذا فكّرتَ بعد تلك التجربة بأنك تعرف ما سيحصل لاحقاً (كأن تركض قطة بسرعة أمامك وتقطع طريقك)، يعني ذلك أنك تختبر هواجس خاطئة، وترتبط هذه الأخيرة بوهم سبق الرؤية أيضاً.

أثار وهم سبق الرؤية والظواهر المرتبطة به اهتمام العالِمة المعرفية آن كليري من جامعة ولاية "كولورادو"، في "فورت كولينز"، منذ سنوات.

في دراسة سابقة نشرها موقع "ميديكل نيوز توداي"، ركزت كليري وزميلها الباحث ألكسندر كلاكستون، على الهواجس الخاطئة التي ترافق وهم سبق الرؤية في حالات كثيرة، واستنتجا أن هذه الظاهرة تنشأ بسبب طريقة برمجة أدمغتنا.

يوضح الباحثان أن البشر يكدّسون الذكريات ويخزنونها لتوقع الأحداث مسبقاً: حين نواجه أي موقف، نلجأ إلى تجارب مشابهة من الماضي كي نتوقع النتائج المحتملة تلقائياً ونتخذ أفضل القرارات.

خلال ظاهرة مثل وهم سبق الرؤية، ينخدع الدماغ كي يظن أنه يستطيع الاتكال على تجربة سابقة لتوقع ما سيحصل لاحقاً. لكنه انطباع خاطئ.

تطرح كليري وزملاؤها من جامعة ولاية "كولورادو" الآن نتائجهم حول ظاهرة أخرى مرتبطة بوهم سبق الرؤية: التنبؤ بعد الحدث. في هذه الحالة، يسدّ الدماغ الثغرات القائمة في الذاكرة بمعلومات مستحدثة، لكن يحمل الشخص انطباعاً خاطئاً مفاده أن هذه المعلومات كانت جزءاً من ذاكرته الأصلية.

حتى الفترة الأخيرة، لم يتّضح ما إذا كان ارتباط وهم سبق الرؤية بالتنبؤ بعد الحدث قوياً بقدر ارتباطه بالهواجس الخاطئة. لكن يذكر الباحثون في تقريرهم الجديد في مجلة "النشرة النفسية والمراجعة" أن ذلك الرابط قوي بالدرجة نفسها.

توضح كليري: "لو كانت هذه الحالة مجرّد وهم أو شعور، لماذا يظن الناس أنهم توقعوا ما سيحصل لاحقاً بدقة؟ تساءلتُ عن احتمال وجود تفسير لما يحدث في مفهوم الوهم المعرفي".

لمعرفة الجواب، طلب الباحثون من المشاركين استكشاف مشهد من الواقع الافتراضي ثم سألوهم إذا كانوا يختبرون مواقف مثل وهم سبق الرؤية. في المرحلة اللاحقة، عاد المشاركون إلى المشهد الافتراضي الذي اتجه عشوائياً نحو اليسار أو اليمين.

في هذه المرحلة، سأل الباحثون المشاركين إذا تطور الحدث بالشكل الذي توقعوه. أخيراً، شاركت مجموعة ثانية في تجربة أخرى ومرّت بالمراحل نفسها، لكنها قيّمت أيضاً إلى أي حد بدا لها المشهد مألوفاً قبل تغيير الاتجاه وبعده. حين اختبر المشاركون ظاهرة وهم سبق الرؤية وانتابهم شعور قوي بأنهم يستطيعون توقع ما سيحصل لاحقاً، اكتشف الباحثون أن هذا الوضع على ارتباط وثيق بظاهرة التنبؤ بعد الحدث.

كان هؤلاء المشاركون مقتنعين بأنهم أصابوا في توقّع اتجاه المنعطف في ذلك المشهد. لكن يوضح الباحثون أن توقع تغيّر الاتجاه كان شبه مستحيل لأنه حصل عشوائياً.

بحسب رأيهم، تنجم هذه القناعة الخاطئة حول دقة التوقع عن الشعور المألوف الذي ينتجه وهم سبق الرؤية.

تضيف كليري: "إذا بدا المشهد لك مألوفاً أثناء تطوره، قد ينخدع دماغك كي يظن أنك كنت محقاً في نهاية المطاف. وبما أن المشهد يبدو مألوفاً جداً حين تعيشه، ستشعر بأنك كنت تعرف ما سيحصل منذ البداية، حتى لو كان الواقع مختلفاً".

تُخطط كليري مستقبلاً للاستفادة من نتائجها في إطار عيادي، وتنوي التعاون مع علماء أعصاب من جامعة "إيموري" في "أتلانتا" لإجراء دراسة تُركّز على من تعرّضوا لإصابات دماغية في الفص الصدغي الإنسي.

غالباً ما يتعرض حاملو تلك الإصابات لنوبات تترافق مع تجارب متكررة من وهم سبق الرؤية. قد تقدم الدراسة المقبلة لمحة عن الآليات البيولوجية الكامنة وراء هذه الظاهرة.