زيزي إسطفان

السياحة البيئية كنز لم يُستثمر بعد

ذهب الريف الأخضر

20 حزيران 2022

02 : 00

روعة الطبيعة في الجاهلية
لبنان الباحث عن بحصة تسند خابيته المالية المتهاوية، يملك منجماً أخضر مليئاً بالكنوز لم يكتشف عمقه بعد هو منجم السياحة البيئية التي يزخر لبنان بجواهرها الخفية. فأينما توجه المرء في هذا البلد الجميل بعيداً عن المدن وضواحيها يمكن أن يجد ركنا خفياً ومعالم تراثية ودينية وتاريخية تذكّر بأن هذا البلد المفجوع بمسؤوليه وبعض أهله قادر على تقديم الكثير. فهل يدرك المسؤولون أهمية هذه الثروة التي تحتاج الى وعي وتخطيط ونشاط لتخرج الى الضوء؟




جهود كثيرة تبذل من قبل الجمعيات المدنية والأهلية لتفعيل السياحة البيئية وتحويلها الى صناعة منتجة في كل مناطق لبنان وقد نجحت حتى اليوم بالتأسيس لثقافة السياحة البيئية ووضع نواة صلبة لمساراتها، لكن العمل لا يزال يحتاج الكثير من الجهود لتحويل لبنان بأكمله الى مرتع للسياحة البيئية يستمتع بها أهله وسياحه ويستفيد منها أبناء بلداته وقراه اقتصادياً واجتماعياً ويحافظون على إرثهم الطبيعي والثقافي، ولتمكين المجتمعات الريفية ودعم مؤسساتها الصغيرة والمتوسطة الحجم وتحسين اندماج النساء في المجتمع.

لكن الجمعيات وحدها لا تستطيع وضع الهيكيلية المؤسساتية لهذه السياحة ووضعها على خريطة السياحة العالمية بل تحتاج دعماً من وزارة السياحة من جهة ومن البلديات المحلية من جهة أخرى.

حتى اليوم برزت جمعيات عدة تعنى بالسياحة البيئية لعل أبرزها جمعية درب الجبل التي كانت أول من أنشأ مساراً بيئياً في لبنان صار اليوم درباً وطنياً معروفاً على الصعيدين المحلي و العالمي ويمتد من شمال لبنان الى جنوبه قاطعاً 440 كلم وماراً بأكثر من 75 بلدة وقرية وثلاث محميات طبيعية وعشرات بيوت الضيافة والاستراحات. وقد أطلقت جمعية درب الجبل مؤخراً مبادرة إنسانية رائعة إذ أوجدت كراسيَ خاصة لذوي الإعاقات او من يعانون صعوبات في الحركة ليتمكنوا من الاستمتاع بحقهم في التمتع بالطبيعة أيضاً.



معالم تراثية



تنمية ريفية مستدامة

السياحة البيئية ليست فورة سياحية صيفية ولا نشاطاً رياضياً في الهواء الطلق لا بل هي مفهوم بيئي تنموي متكامل. مارك عون رئيس جمعية Vamos Todos للسياحة البيئية يرسم صورة شاملة عن أهمية هذه السياحة المسؤولة المنظمة التي تهدف الى دعم المجتمعات الريفية وخلق فرص عمل فيها ومساعدتها على تصريف انتاجها الزراعي والحرفي والتراثي ما يتيح لها تنمية مستدامة، كما أنها سياحة ملتزمة غير فوضوية تحترم الطبيعة بنباتها وحيواناتها وتحافظ عليها. هي لا تقتصر كما يظن البعض على السير في الطبيعة في مسارات مرسومة بل تتمحور حول التواصل مع المجتمع المحلي والتعرف الى المعالم الأثرية والدينية والتراثية المميزة في كل منطقة وكذلك المشاركة في نشاطاتها الثقافية وخلق رابط معنوي وتنموي بين أبناء المدن وأبناء الريف.

تطورت السياحة البيئية بشكل لافت منذ انطلاقتها منذ حوالى العقدين حتى اليوم وتطور وعي الناس بشأنها والأهم وعي المسؤولين المحليين ورؤساء البلديات كما يؤكد مارك عون لكن لا يزال قسم كبير من هؤلاء بحاجة للمزيد من الوعي وإدراك أهمية هذ السياحة. فدور البلديات أساسي في تفعيلها لأنها وحدها قادرة على إنجاز مشروع بيئي متكامل يقوم على تحويل «طرقات الإجر» القديمة في البلدة الى مسارات آمنة للهايكينغ وربط هذه المسارات ببعضها وبالمعالم الأساسية اللافتة في البلدة مثل دور عبادة قديمة، صناعات حرفية، شجر معمّر، آثار مهملة أو أدراج عتيقة أو كهوف ومغاور وكذلك إنشاء بيوت للضيافة تؤمن المنامة للزوار وإقامة نقاط جاذبة مثل اكشاك لبيع المنتجات والمؤونة المحلية او الصناعات الحرفية او أماكن للتخييم وبالطبع مطاعم تقدم الأكل اللبناني التراثي. فالجمعيات لا يمكنها القيام بمشاريع كهذه من دون البلدية. وقد تبين أن البلديات التي آمنت بهذا النوع من المشاريع ساهمت بشكل فعال في تنمية بلداتها من دون كلفة تذكر مثل بلديات دوما وبشري والجاهلية وسواها خاصة أن جهات عالمية مانحة وسفارات ومنظمات غير ربحية وحتى متمولين مغتربين كلهم مستعدون للمساهمة في تمويل مشاريع بيئية تنموية كهذه.

زيتون معمّر



خريطة مسارات غائبة

لكن المشكلة الرئيسية اليوم أن هذه المسارات الطبيعية لا تزال في معظمها من دون مرجعية رسمية أو فهرس يوثقها إلا في المحميات الطبيعية المعروفة مثل بنتاعل وأرز الشوف وجبل موسى التي باتت مشاريع بيئية متكاملة كما يقول عون وهي مزودة بأجهزة تحديد للمواقع GPS وكذلك بخرائط ومنشورات تشكل مرجعاً للسائح وهي على تنسيق مع القرى والبلدات المجاورة لها لتشكيل مجتمع ريفي متكامل يجد فيه الزائر ما يحتاجه.

وعلى مثال المحميات يرى العاملون في مجال السياحة البيئية أنه لا بد من تطويرها وتنميتها ليعرف السائح والزائر أين يمشي ومدى صعوبة المسار وتخصيص مرشد محلي يعرف المنطقة جيداً وتأمين درجة عالية من الأمان لكل من يختار السير في هذه المسارات، ومن هنا أهمية التنسيق مع البلديات ومع المرجعيات الأمنية إذ إن بعض المناطق لا يزال فيها ألغام مثلاً من مخلفات الحروب او تحتاج الى أذونات خاصة. وبهذه الطريقة تصبح السياحة البيئية منظمة ومتكاملة يستفيد منها السياح الأجانب والقادمون من أهل المدن فيعيشون تجربة مريحة مهدئة للأعصاب بعيداً عن أخبار السياسة وأهلها عبر التعرف الى الطبيعة وعادات الأرياف ومعالمها، فيما الأرياف تشهد تنمية مستدامة تساعد أهلها على التشبث بأرضهم. وفي هذا السياق تعمل منظمة التجارة العالمية العادلة عبر مكتبها في لبنان على توثيق أواصر العلاقة مع الأرياف للتعريف بمنتجاتها المحلية ومساعدتها عبر السياحة البيئية على تصريف هذا الانتاج عن طريق وضع الزائر او المستهلك على اتصال مباشر مع المزارع وخير مثال على ذلك نشاط قطف الكرز في المناطق الجبلية وبيعه مباشرة الى الزوار الذين يساهمون في قطافه...



مارك عون



لبنانيون محرومون من طبيعتهم

اليوم ومع كل ما يحكى عن موسم صيفي واعد يستقبل فيه لبنان أكثر من مليون مغترب وسائح تبدو السياحة البيئية او الريفية قبلة المغتربين الذين يفتقدون لبنان الأخضر وضيعه الجبلية وعاداته ويرسمون له في بالهم صورة الحنين الحلوة. ولا شك أن هؤلاء سيشكلون رافعة حقيقية لهذه السياحة ولكن ماذا عن اللبنانيين المقيمين الذين ما عاد بامكانهم تحمل كلفة النقل للوصول الى المناطق الجبلية وبات المشوار مرهقاً لهم هل يُحرمون من طبيعة بلادهم؟

مع بداية انطلاق السياحة البيئية يقول مارك عون: شكل الأجانب ولا سيما الأوروبيون الرافد الأساسي لها لا سيما أن احترام الطبيعة وتقديرها يدخل في صلب ثقافتهم، ومع ازدياد الوعي اللبناني حول أهميتها باتت أعداد اللبنانيين الذين يمارسون الهايكينغ والسير في الطبيعة مرتفعة لتعود وتشهد انحساراً مع تدهور الوضع المادي لهؤلاء والعودة الى المربع الأول الذي يشكل فيه الأجانب مركز الثقل. ويرى هؤلاء في هذا النوع من السياحة الوجه الحقيقي للبنان الذي لا يمكن رؤيته في المدن المكتظة التي تغيب عنها المساحات الخضراء وهم دوماً مستعدون لنقل هذه الصورة الجميلة المناقضة لصورة لبنان الذي يتداولها العالم أجمع الى بلدانهم.



جسر معلّق



مشكلة ارتفاع كلفة السياحة الداخلية تعمل الجمعيات المهتمة بالسياحة البيئية والهايكينغ على حلها من خلال تأمين باصات تنقل مجموعات بكلفة أقل. لكن مع غلاء التنقلات والتأمين وحتى الطعام يبقى المشوار مكلفاً على اللبناني. إلا أن الحل يكمن في مكان آخر وفق ما يشرح لنداء الوطن رئيس جمعية فاموس تودوس التي تعني» هيا بنا جميعا» نتعرف الى لبنان. إذ يعتبر أن السير في الطبيعة ممكن حتى في البلدات القريبة من بيروت ومن الساحل اللبناني فلبنان غني بطبيعته وأحراشه وينابيعه وأنهره وفي كل مكان فيه يمكن إيجاد مسارات رائعة للسير في الطبيعة، ويعدد مسارات عدة يمكن الوصول إليها بأقل كلفة مثل درب السما بين المعاملتين وحريصا، او درب المجوقل من بكركي الى درعون فحريصا أو محمية بنتعاعل وكذلك المسارات القريبة من بيروت مثل حرش بيروت او خندق الرهبان في بعبدا او مسارات العبادية وكفرشيما وقرنة شهوان وغيرها. ففي الواقع طبيعة لبنان الغنية بالخضار والأنهار والأحراش والآثار تسمح بإنشاء مسارات للمشي في الطبيعة وتنشيط السياحة البيئية وفي حال تم تعميم هذه الثقافة وتجاوبت البلديات يصبح كل مواطن لبناني قادراً على التمتع بطبيعة بلدنا وقد توضّح ذلك أثناء جائحة كورونا حيث صار كل فرد يختار درباً قريبة من منزله للهروب من سجن الجدران.

وبشكل مرادف للسياحة البيئية بات هناك اليوم ما يعرف بالسياحة الريفية او الزراعية التي تعتمد على خلق مسارات خاصة لقطاف الزيتون والعنب والتفاح والكرز وغيرها ومسارات النبيذ وذلك بغية تشجيع الزراعات الوطنية وتسهيل تصريفها وتعريف السائح إليها ليكون واجهتها الى الخارج.



مصنوعات حِرفية



لكن يبقى هذا القطاع بحاجة الى تنظيم وقوننة لا سيما بالنسبة لمنظمي الرحلات السياحية الطبيعية في الريف، والادلاء السياحيين والمرشدين المحليين حتى يكونوا جميعاً خاضعين لمعايير تضمن جودة الخدمات وسلامة السياح وينضوون تحت لواء تجمع او نقابة تشكل مرجعية تطمئن السائح والزائر. بعد هذه الجولة يبقى السؤال الأهم ما دور وزارة السياحة في تنمية السياحة البيئة؟ وما هي الخطوات المتخذة لتنميتها وتشجيعها؟ رغم انشغال وزير السياحة وعدم قدرته على التواصل معنا عرفنا أن الوزارة قد وضعت استراتيجية للسياحة المستدامة تشكل المناطق المحمية والسياحة البيئية جزءاً أساسياً منها، وهي تستوجب تضافر الجهود مع وزارة البيئة لتطوير القوانين وطرق الحماية. كما تواكب وزارة السياحة قطاع بيوت الضيافة وثمة سعي لتأسيس تجمّع أو نقابة تختص بها وبشؤونها.

كما تعمل الوزارة وفق ما عرفنا على جمع البيانات حول مسارات المشي في كافة المناطق اللبنانية، ليتمّ ادخالها ضمن خريطة تفاعلية رقمية توضع في خدمة السياح إضافة الى تخصيص مساحة ضمن أدوات الوزارة الترويجية للسياحة البيئية وتأمين كتيبات حولها وحول بيوت الضيافة تكون مرجعاً للسائح.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.