قام وليّ عهد المملكة العربيّة السعوديّة الأمير محمد بن سلمان، بزيارات الى كل من مصر والأردن وتركيا خلال الأسبوع الفائت وذلك استباقًا للزيارة التي سيقوم بها الرئيس الأميركي جو بايدن الى السعوديّة في منتصف تموز القادم والتي شاء الملك سلمان أن يضم اللقاء فيها رؤساء دول الخليج العربي ومصر والأردن والعراق، ولئن كانت بادرة الملك سلمان تعبيراً عن مبدأي الشورى والعمل المشترك اللّذين عرف بهما جلالة الملك سلمان في حياته العامة: ملكاً وحاكماً لمدينة الرياض لمدة 52 سنة، فإنّ الدور الذي يقوم به الأمير محمد هو دور محوري على صُعد كثيرة ومتنوّعة تتصل بالوضعية العامة للمملكة وللمنطقة وللعالم وهذا ما يضعه أمام مجموعة تحديّات صعبة ومعقّدة وخطرة في آن.
1 - التحدّي الأميركي
تميّزت العلاقات الأميركية – السعوديّة وطوال ما يزيد على نصف قرن من الزمن، بالتعاون والتضامن وتبادل المصالح ولا سيما النفطيّة عبر أوبك. لكن هذا التاريخ الطويل من الثقة المتبادلة تعكَّر منذ أربع سنوات بفعل اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في سفارة بلاده في اسطنبول (2018). في كتابنا بعنوان «استهداف أهل السنّة»، واضح ان الاسلام السني سيصبح الديانة الأولى في العالم. وان التهديد الديموغرافي سيطاول الآخرين واسرائيل في المقدمة. لذا وجدت في هذه الحادثة ما يساعد على تشويه الاسلام ولا سيما للوجه الأبرز منه، حالياً ومستقبلاً ولا سيما الأمير محمد بن سلمان، وهو ما يتفق عليه زعماء الحزبين الديموقراطي والجمهوري بايحاء من الحركات الصهيونيّة. فإلى أي مدى سيكون الرئيس الأميركي بايدن متأثراً بمثل هذه التصوّرات، أم قادراً على تجاوزها؟ هذا هو السؤال الذي يرسم خطوط العلاقات الأميركيّة – السعوديّة على كافة المستويات وفي مختلف المجالات.
2 - التحدي الاسرائيلي
لم تذهب السعوديّة الى حدود تطبيع العلاقات مع اسرائيل كما فعلت معظم دول الخليج، وظلّت متمسكة بمبدأ الدولتين على قاعدة مقررات مؤتمر القمة العربية في بيروت. وطبيعي ان تحمّل اسرائيل ولي العهد السعودي مسؤولية عدم التطبيع مع الدولة العبريّة. ولذا ستعمل على إضعافه وتشويه صورته أمام الرأي العام الغربي والعالمي حتى العربي، إن موقف الأمير لا يحمل العداء لإسرائيل ولكنه لا يحمل الخضوع لها. انه موقف الواقعية التاريخيّة والتمسّك بحقوق الشعب الفلسطيني الذي هو قلادة في عنق القيادة السعوديّة قديماً وحديثاً.
3 - التحدي الاسلامي
يعتبر الأمير محمد ممثلاً للدولة المركزية في الثقل الاسلامي الديمغرافي العالمي والذي بفضل نسبة النمو لديه (1,84%) سيصبح الديانة الأولى في العالم. وبالتالي فإن الأمير محمد هو ممثل القوّة الدينية والديمغرافية والتي ستصبح الأولى في العالم. وحيث ان لدى أوساط غربية قاعدة تقول إن الديمغرافيا هي التي تصنع التاريخ فإن الأمير محمد سيكون على رأس هذه القوة التي تصنع التاريخ وسيكون لها دور مهمّ في النظام الدولي الى جانب القوى الكبرى. يضاف اليه، ان الاسلام السني الذي يمثله الأمير محمد كان ولا يزال يمثل نسبة 85% من مسلمي العالم.
4 - التحدي الاقليمي الشرق – أوسطي
تواجه السعوديّة حملة تحدّيات اقليميّة:
أولها: تحدّ مصيري من جانب ايران بطبيعتها الفارسيّة الشيعيّة، وهي تسعى الى احتلال موقع المركز في العالم الاسلامي بديلاً للسعوديّة. واحتلال موقع الدولة المؤثرة في دول الاقليم على امتداد المشرق العربي، وهو ما عملت وتعمل له ايران بواسطة أذرعها داخل دوّل المشرق وفيها «حزب الله» والحوثيون.
ثانيها: تحد جيو- سياسي من جانب قوى اقليميّة متنوعة بينها اسرائيل كما ذكرنا، وكذلك قوى ذات تاريخ ونفوذ بين شعوب المنطقة ومنها مصر وتركيا. ولذا كانت زيارة الأمير محمد للقاهرة وأنقره بمثابة اعتراف منه بدور الدولتين وتأثيرهما الاقليمي وهو موقف اخلاقي واستراتيجي يقرّ بدور القوى الاقليميّة وأهميتها ومصالحها ويسعى للتعاون معها وليس الى مجابهتها او تغييبها عن الساحة السياسية. أكثر من ذلك يعمل بصدق والتزام على مساعدتها ومساندتها اقتصادياً كي تتمكّن من التغلّب على الأزمة الاقتصاية الصعبة التي تمرّ بها.
ثالثها: تحدّ سياسي – دولاتي مرتبط بكيان دول المنطقة ومشروعيتها الجغرافية والتاريخيّة وتشكيلاتها البشرية المؤلفة من عدّة أقليات دينية أو مذهبيّة أو عرقيّة او لغويّة. وهذه هي حال لبنان والعراق وسوريا واليمن. وواضح من البيانات التي صدرت في القاهرة وعمان وأنقرة، أن الأمير محمد يدعم سيادة واستقلال وهدوء دول المشرق بسلطاتها الشرعية وقواها العسكرية بعيداً عن التدخل الايراني في شؤونها ومواقفها ويلتزم وسيُلزم الدول المعنيّة بتأييده في أهدافه السامية تلك!
5 - الهمّ اللبناني وتحدّي النهضة
بين ما يحمله الأمير محمد في رحلته ليس فقط تحدّي لبنان: الدولة والكيان، بل أعمق وأخطر من ذلك همّ لبنان: الدولة والكيان، وجوداً مميّزاً وفاعلاً ومؤثراً في العالم العربي. إنه مركز الثقافة والإبداع في دنيا العرب. وحامل مشعل النهضة العربية. ولقد عبّر الأمير السعودي مع مضيفيه عن حرصهم على لبنان الدولة الديمقراطية المستقرة والآمنة بعيداً عن الأعمال الارهابيّة والتشديد على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة ووقف اعمال التدخّل في شؤون الدول العربية من جانب «حزب الله».
6 - التحدّي الرؤيوي
من الثابت لدى دارسي الفكر العربي المعاصر، ان الأمير محمد بمشروعه المميّز «رؤية 2030» كان السبّاق الى وضع استراتيجية نهضويّة مبنيّة على رؤية واضحة للمستقبل. ومثل هذه الرؤية تنطلق من عمق الجغرافيا السياسية والتي حدّد فيها فريدريتش واتزل صاحب كتاب «الجغرافية السياسية» بان السياسة هي فن الرؤية، فن تصوّر المستقل،«La politique c›est l›art de la prévoyance» هذه هي قاعدة وقوّة مشروع الأمير محمد لبناء مملكة قويّة وعالم عربي قوي، وعالم اسلامي قوي... وعالم انساني أقوى!
وسيكون على الرئيس الأميركي بايدن ان يسترجع حقائق التاريخ وليس فقط ملفات بعض زعماء الكونغرس الأميركي.
عندئذ سيجد أنه ليس فقط أمام رؤية (20- 30) بل أمام رؤية «20- 50».