آدم شمس الدين

لم تكن الودائع مضمونة حقاً يوماً في لبنان

مسرح متفحم يجاور مؤسسة محروقة في مبنى البيكاديلي

27 حزيران 2022

02 : 00

حريق البيكاديللي

في أحد شوارع الحمرا الرئيسية، لافتة مترهلة لاسم عريق طبع الذاكرة اللبنانية الثقافية والفنية... «البيكاديلي». هو المبنى الذي ارتبط به اسم مسرح كان شاهداً على «الحقبة الذهبية» للبنان كما تسمى. افتتح عام 1966 وعرض فيه لأول مرة فيلم «دكتور جيفاغو» للممثل العالمي المصري عمر الشريف. كما كان المسرح شاهداً على أجمل أعمال الرحابنة وفيروز، اضافة لنجوم عالميين مثل شارل ازنافور وداليدا وغيرهم.


عام 2000 صدفة عجيبة

أضواء المسرح خفتت تدريجياً بفعل الحرب الأهلية والإهمال، الى أن قضى عليه حريق شب فيه عام 2000، ومذاك الحين بدأ تفعيل المبادرات تلو المبادرات لاعادة استنهاضه من ثباته وركامه. بلا جدوى... وفي 2000/2001 وقع أول شبح تعثر في لبنان... يا للصدفة !

ما سبب استحضار مسرح ثقافي «ميت» في مقال اقتصادي؟ ببساطة شديدة: المبنى المذكور يحوي في احد طوابقه مؤسسة نالت ما نالته من أضواء عند تأسيسها، واليوم شأنها شأن المسرح... ترزح تحت ركام الانهيار، وهي المؤسسة الوطنية لضمان الودائع.

تشكلت المؤسسة وهي شركة مساهمة تعاونية لبنانية عام 1967، كجزء من الاصلاحات التي أقرت عقب انهيار بنك انترا وتداعياته التي كادت تطيح القطاع المصرفي برمته وحتى انهيار الاقتصاد اللبناني. فكان هدف انشاء المؤسسة احترازي تطميني للمودعين في حال تعثر أي مصرف أو افلاسه أو تصفيته، على أن يتم ضمان سقف معين من إيداعات المودعين تقوم المؤسسة بتسديدها.

لم يأت الانهيار على غفلة

على الرغم من النزيف المالي وتراجع احتياطيات المصرف المركزي قبل الهندسات وبعدها، وعلى الرغم من تيقن السلطة أن انهياراً مالياً يلوح في الأفق، تجسد بالتصريح الصريح لوزير المالية السابق علي حسن خليل في كانون الثاني 2019 حول اعادة هيكلة الدين، لم يقدم أي مسؤول، من اولئك الحريصين كل الحرص على قدسية الودائع اليوم، على زيادة قيمة ضمان الودائع إلا بعد الإنهيار.

فحتى كانون الأول 2019، أي بعد شهرين على اندلاع انتفاضة 17 تشرين واقفال المصارف لمدة اسبوعين، حول خلالها ما حول من أموال خارج لبنان (مضافة الى الأموال التي حولت عقب استقالة الرئيس سعد الحريري عام 2017، وتصريح وزير المالية علي حسن خليل في كانون الاول 2019)، كان سقف المبلغ المضمون استرداده من قبل المودعين من المؤسسة هو 5 ملايين ليرة فقط (أي 2300 دولار بحسب سعر الصرف الذي بلغ آنذاك 2100 ليرة للدولار).

في 22 كانون الاول 2019 تقدم نواب «اللقاء الديموقراطي» باقتراح قانون معجل مكرر لزيادة ضمان الودائع الى 75 مليون ليرة. تعديل تكرس في مشروع قانون موازنة 2020 والذي اقترح رفع السقف الى 300 مليون ليرة، تسدد 30% منها فور اعلان افلاس المصرف او تصفيته، على ان تسدد القيمة المتبقية بالتقسيط او بسندات خزينة يصدرها مصرف لبنان خلال مهلة سنة.

أبي حبيب: المصارف لم تعلن افلاسها بعد

يقول مدير عام المؤسسة خاطر أبي حبيب ان «عدم نشاط المؤسسة حتى هذه اللحظة هو نتيجة عدم توجه اي مصرف الى اعلان الافلاس، ولم تقم أي جهة رقابية أو قضائية على اعلان الافلاس أو التصفية».

في حال حصول الافلاس او التصفية، تقدم لجنة الرقابة على المصارف على جمع قيمة الايداعات واصحابها وفي غضون 6 أشهر يستطيع أي شخص احضار مستنداته وأوراقه الى المؤسسة لأخذ تعويض بقيمة 75 مليون ليرة كحد أقصى. وفي حال كانت الوديعة تقل عن هذا الحد تدفع له القيمة بحسب حجم الوديعة».

نسأل أبي حبيب عن الودائع بالعملة الصعبة، فيجيب: «اذا كانت الودائع بالدولار تحسب على سعر الصرف الرسمي وهو 1500 ليرة». ما يعني انه وفي حال احتساب سعر الصرف الحالي وهو يلامس ثلاثين الف ليرة، فإن سقف الضمان اليوم 2500 دولار.


صالح: يتعمدون عدم اعلان الإفلاس

يشير مدير عام المحاسبة السابق في وزارة المالية أمين صالح إلى أن «حجم الازمة أكبر بكثير من أن تحلها مؤسسة ضمان الودائع، وان دورها له فعالية اكبر في حال كانت الازمة مرتبطة بمصرف واحد، أما نظراً لحجم الازمة وتعمد السلطة والمصارف والمصرف المركزي وحرصهم على عدم اعلان الافلاس، فلا دور لهذه المؤسسة حتى بضمان الحد الادنى عند الافلاس».

علوية: الأزمة نظامية وليست فردية

عضو المجلس الاقتصادي الاجتماعي البيئي صادق علوية يرى أن «دور المؤسسة يكون في بلد مستقر الى حد ما وفي معالجة خلل في مصرف معين. لكن حين تكون الازمة لها علاقة بالنظام النقدي ككل فلا دور اساسي ومحوري لها. حين يصيب المرض كافة اعضاء الجسم فالمعالجة الموضعية لا جدوى لها». لكن علوية يعتبر أن «انحسار ضمانة الودائع بالعملة اللبنانية فحسب كان من الممكن تفاديه، إذ يكفي ان يكون للمصرف المركزي احتياط بالعملة الصعبة للقول بأنه كان للمؤسسة قدرة على تأمين ضمانة بالعملة الصعبة أيضا».

خفضوا الاشتراكات بدل رفعها

غياب التشريعات لمواكبة ضمانات المؤسسة للمودعين في حال وقوع أي خلل بالنظام المالي والنقدي ليس صدفة بالضرورة، بل يؤشر مرة جديدة الى الخلل في توزيع المسؤوليات ربطاً بقدرة النافذين في التأثير عليها.

فبحسب قانون انشاء المؤسسة تنص المادة 15 من القانون انه «على المصارف المقيمة والعاملة في لبنان أن تدفع للمؤسسة الوطنية لضمان الودائع رسماً سنوياً لا يتجاوز في السنوات الثلاث الأولى اثنين بالألف، وفي ما بعد واحداً ونصف بالألف من مجموع حساباتها الدائنة، أيا كان نوعها أو أجلها أو مصدرها مهما بلغت». الا ان هذا الرسم المتوجب على المصارف خفض منذ 1997 حتى 2019 الى نصف بالالف. والذريعة ان حجم المخاطر المتدنية سمح بهذا التخفيض!!

عليه وعلى الرغم من ظهور مؤشرات تنذر بانهيار منذ ما قبل قبل تشرين 2019 بكثير، استمرت مسرحية متانة النظام المالي المصرفي، واستمر كافة الممثلين بلعب أدوارهم، الى أن شب الحريق الذي قضى على المسرح برمته، ومعه المؤسسة الوطنية لضمان الوضائع جارة مسرح البيكاديلي القابع في رماده حتى يومنا هذا.