خالد أبو شقرا

خطة التعافي تُنسف من "بيت أبيها"... والصناديق السيادية "عود على بدء"

أصول الدولة لحماية ثروات المصرفيين على حساب المواطنين

1 تموز 2022

02 : 01

ميقاتي يسترضي حزب المصارف "شفهياً" ويأمل بإعطاء الثقة لحكومته "خطياً" (رمزي الحاج)
مارس فريقا المنظومة والمصارف منذ بداية الأزمة "لعبة" تبادل الأدوار بحرفية قلّ نظيرها. لكن على عكس المبتغى من هذا الاسلوب الدرامي المستعمل للشعور بالطرف الآخر، لم يكن هدف المنظومة إلا تضييع الوقت، تمييع الاصلاحات، والاستمرار بتحميل المواطنين كلفة الانهيار من خلال التضخم وتذويب الودائع.





بعد إقرار الحكومة بمعارضة من وزراء الثنائي الشيعي "استراتيجية النهوض في القطاع المالي"، عاد رئيس حكومة تصريف الاعمال لادخال تعديلات جوهرية عليها. تعديلات وصفها النائب حسن فضل الله بعد انتهاء جلسة لجنة المال والموازنة، بانها "أفكار جديدة تنسف ما سبق وعرض علينا من خطة التعافي الحكومية". وهي تبقي على مبدأ التعويض للودائع التي تقل عن 100 ألف دولار ولكنها ترمي إلى تأسيس صندوق (سيادي) جديد.

التحجج بالمودعين

الغريب أن رئيس الحكومة وفريقه الضّيف "استقتلا" لتمرير ما درج على تسميتها بـ"خطة التعافي" في جلسة 20 أيار الاخيرة، قبل تحول الحكومة إلى تصريف الاعمال. وقد أدارا "الأذن الطرشاء" لكل رأي "يشتمّ" منه إمكانية تحميل الدولة أو مصرفها المركزي المسؤولية في توزيع الخسائر. فمبدأ تراتبية الحقوق والمطالب المتفق علىيها بحذافيرها مع "صندوق النقد الدولي" يقضي بان المسؤولية الاولى تقع على المصارف التجارية. وعليه فهو يتطلب شطب نحو 72 مليار دولار ديوناً موظفة في مصرف لبنان. ويحمّل المصارف مسؤولية التعويض من خلال رساميلها على المودعين.

التعديلات المطروحة وضعت في قالب حماية المودعين وليس المصارف. ذلك مع العلم أن المنطق يفترض أن الأخيرة هي المسؤولة عن إرجاع الودائع لزبائنها. وهو نفس المنطق الذي كان نائب رئيس الحكومة والمفاوض الاول مع "الصندوق" الوزير سعادة الشامي قد تحجج به في رده على "جمعية المصارف" حين قال: "في حين أننا نتفهم قلق مساهمي المصارف على ثرواتهم الخاصة نتيجة لخطة النهوض الاقتصادي والمالي، وهو لأمر طبيعي ومتوقع، إلا أن الخطير وغير المسؤول يتجلى في محاولة مكشوفة لربط مصير أموالهم بالمودعين. وهي محاولة للالتفاف على خطة متكاملة العناصر كانت محط تقييم وتقدير من قبل دول ومؤسسات دولية مستعدة لتقديم المساعدة للبنان". وعليه، ما الذي تغير بين ليلة وضحاها لادخال تعديلات على الاستراتيجية "المتكاملة"، وهل يحق لحكومة تصريف الاعمال تعديلها، أم أن التعديلات ستؤجل إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وهل اتفق على التعديلات مع صندوق النقد الدولي، وما هو موقفه منها؟

المحافظة على موارد الدولة

من الواضح أن هناك ضغطاً مصرفياً متواصلاً، يترافق مع الحاجة إلى إيجاد مخرج مقنع أكثر لناحية التعويض على كبار المودعين"، تقول المديرة التنفيذية في "كلنا إرادة" ديانا منعم. حيث يظهر أن "الاستراتيجية" التي قضت باقتطاع قسم كبير من أموال المودعين لن تمر، وستواجه رفضاً سياسياً".

الخيار إذاً انحصر بين أمر من اثنين: إما التصميم على تطبيق الاستراتيجية كما هي، مع المعرفة المسبقة بعدم امكانية إبصارها النور، نظراً لكون فريق المصارف ومن يدعمه من السياسيين ربح كل الجولات السابقة، أو تقديم بعض التنازلات من أجل وضعها موضع التنفيذ. هذا الواقع المستجد يأخذنا إلى مجموعة من الاسئلة تتعلق بحجم التنازلات المقدمة وطبيعتها، وإن كان تقديمها على "مذبح" الخطة مفيد أكثر من عرقلة كل الخطط والطروحات!

كيفما "طبشت" كفة الميزان بين الخيارين من المهم "المحافظة على الموارد التي تسمح باطلاق عجلة الاقتصاد في المستقبل"، برأي منعم. فانحصار التفكير بكيفية توزيع الخسائر، وأي جهة تتحملها أكثر من الاخرى، ينسينا الحاجة إلى ضرورة تأمين الايرادات اللازمة والكافية لتحقيق نمو مستدام يسمح بعودة النشاط، وخلق فرص العمل، وتحقيق الازدهار والقدرة على خدمة الدين وتخفيض نسبته من الناتج. "هذا النمو المنشود لن يتحقق في حال المساس بأصول الدولة"، تشدد منعم. فوضع الملك العام في صندوق سيادي للتعويض على المودعين يفيد1 في المئة منهم، على حساب 99 في المئة من الشعب اللبناني. وحتى الادعاء بان العوائد تذهب إلى خزينة الدولة، والفائض عن الحاجة يخصص للتعويض على المودعين يطرح مخاوف جدية من إمكانية تخفيض الدولة نفقاتها الاستثمارية على الصحة والبنى التحتية والتعليم وخلافه وزيادة الضرائب بنسب كبيرة من أجل تحقيق فائض أولي مصطنع يسمح باعادة الاموال لهذه النسبة الصغيرة جداً من المودعين. من هنا فان أي آلية توزيع للخسائر يجب أن تلحظ المحافظة على الموارد وعدم حصرها بالتعويض على قلة من المودعين.

الحاجة إلى أرقام دقيقة

النقطة الثانية التي يجب أن تعالج قبل البدء بتوزيع الخسائر هي إعادة هيكلة القطاع المصرفي والتدقيق في الحسابات بعد إقرار قانون تعديل السرية المصرفية، لكي يكون المودعون مستحقين للتعويض عليهم بالدرجة الاولى. حيث يجب إعطاء الاولوية لصغار المودعين، وصناديق التقاعد عند توزيع الموارد المتاحة"، بحسب ما تؤكد الورقة الاقتصادية لـ "كلنا إرادة". أما تعويض الودائع الكبيرة فيرتبط بـ"القدرة على تطبيق مبدأ الشفافية والمحاسبة، وذلك من خلال التدقيق في الودائع والتحويلات وتحديد الاموال غير المشروعة والمهربة. وأيضاً تمييز المودعين الذين استفادوا من معاملة تفضيلية، خصوصاً بعد تشرين الاول 2019، ومن ضمنهم أصحاب الحسابات الائتمانية. كما يمكن ربط التعويضات بالاموال المحصلة بموجب تعقب عمليات الإثراء غير المشروع". هذه الخطوات التي تتطلب أرقاماً دقيقة يجب إنجازها قبل البدء بتوزيع الخسائر لكي تكون الخطة دقيقة وعادلة".

بعد نحو عامين و10 أشهر على إندلاع الأزمة لا يوجد رقم واحد مُدقق يمكن الاسترشاد به. فالضبابية وتضييع الرأي العام والجهات الرقابية تصب في مصلحة استمرار تحميل الخسائر للمواطنين والمودعين، من دون مطالبة الجهات المعنية بالمسؤولية. ولعل المثال الفاقع يتجلى في تصدي القطاع المصرفي للتدقيق في الأرقام والاصرار على سيناريو عدم كفاية الاصول والموجودات للتعويض، في حين ان أصول البنوك التجارية بالعملة الاجنبية وتوظيفاتها في الخارج والعقارات والأموال النقدية التي بحوزتها قد تصل بحسب البعض إلى ضعف الرقم المقدر بـ حوالى 19 مليار دولار.

يشكل المودعون الذين تقل قيمة ودائعهم عن 100 ألف دولار حوالى 88 في المئة من مجمل المودعين، فيما يمتلك أقل من 1 في المئة من المودعين حسابات مصرفية تزيد قيمة كل منها عن 200 ألف دولار. أما عدد الحسابات التي تزيد عن مليون دولار فهي لا تتخطى 5000 حساب. وعليه فان استغلال الاصول العامة في النظرة الواسعة ليس سوى إمعان في السياسات المعمول بها منذ 3 عقود، والتي تقوم على تجريد غالبية المجتمع من ثرواته ومداخيله وتحويلها إلى الشريحة الاغنى. أما إذا "ضيقنا البيكار"، فقد يكون الهدف من تعديل الخطة استرضاء حزب المصارف للموافقة على التشكيلة الحكومية واعطائها الثقة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.