أجرى السيّد رئيس الجمهوريّة مشاورات ملزمة مع أعضاء المجلس النيابي لإختيار رئيس لمجلس الوزراء، وجاءت النتيجة لمصلحة السيّد نجيب ميقاتي الذي كلّفه رئيس الجمهورية بتشكيل الحكومة اللبنانيّة الجديدة. وبعد أقل من 24 ساعة على إنهائه الاستشارات النيابيّة غير الملزمة، حمل الرئيس المكلّف تشكيلته الحكوميّة الى رئيس الجمهورية بسرعة قياسيّة فاجأت الجميع وهي تتضمن تعديلاً وزارياً للحكومة الحاليّة يطاول خمس حقائب هي: الطاقة والمياه، المال، الاقتصاد، الصناعة والمهجرّين مع أسماء الوزراء المقترحين لإشغالها. وكان التبديل الأساسي في مشروع الرئيس ميقاتي هو نزع وزارة الطاقة من يد «التيار الوطني الحر»، والسيد جبران باسيل حيث كانت محسوبة عليه لمدة تزيد على عشر سنوات وتمّ ايكالها في التعديل المقترح الى د. وليد سّنو بديلاً للوزير وليد فيّاض.
سارعت جهات معيّنة الى تسريب التشكيلة الجديدة ممّا أشعل الأجواء السياسيّة بين القوى المتصارعة، وأسهم في تعقيد الأمور ورسم العديد من علامات الاستفهام حول القدرة والامكانيّة لتأليف حكومة جديدة في مثل هذه الأجواء المتشنّجة.
هذه التطورات تطرح أكثر من سؤال:
أولاً: أي مأزق يعيش فيه أهل السنّة في لبنان؟
ثانيًا: أي مأزق يعيش فيه نجيب ميقاتي كمرشح لرئاسة الوزراء؟
ثالثًا: أي مأزق يعاني منه أهل السنّة في منطقة الشرق الأوسط؟
أولاً: مأزق أهل السنّة في لبنان.
تعرّض ويتعرّض أهل السنّة في لبنان، منذ نشوء الكيان، بل بسبب نشوئه الى جملة مآزق كيانيّة وسياسيّة نشير الى أهمّها:
• مأزق قيام اسرائيل على حدود لبنان الجنوبيّة، وما خلفته من أزمات داخل الدوّل العربيّة وفي مقدمها لبنان.
• مأزق الثورة الايرانيّة التي تمددت في لبنان عبر الطائفة الشيعيّة ممثلة بـ»حزب الله» وما أثارته من صراعات ومواجهات مع القوى السنيّة في لبنان والمنطقة.
• مأزق الكيانيّة اللبنانيّة وموقف أهل السنّة الايديولوجي من الكيان اللبناني في تعبيراته المختلفة والمتنوعة على يد الأحزاب والقوى العقائديّة من الأمة العربيّة مع الناصرية وميشال عفلق الى لبنان النهائي مع رفيق الحريري.
• مأزق الدور والسلطة في لبنان كما جرى التعبير عنهما في اتفاق الطائف، وفيه تمّ وضع حدود لدور وسلطة الموارنة في الحكم واعطاء السنّة دوراً كثاني طائفة في لبنان ولها الأولويّة في السلطة التنفيذيّة من خلال رئاسة مجلس الوزراء.
ثانياً: مأزق الرئيس ميقاتي كمرشّح لرئاسة مجلس الوزراء.
ليست هي المرّة الأولى التي يتمّ فيها ترشيح السيد نجيب ميقاتي لرئاسة الحكومة اللبنانية، ولكنها المرّة الأولى التي يجد نفسه فيها ضمن صراعات متعددة الأنواع تبدأ في الداخل وتمتّد الى الخارج. تبدأ مع أمور خاصّة وتصل الى الأمور العامّة:
• ألا يعبّر موقف الرئيس سعد الحريري من هذا التوجّه وهو يعلن عزوفه عن المشاركة في السلطة: اقتراعاً وحكماً؟
• ألا يعبّر موقف الرئيس العماد ميشال عون عن قناعته الدائمة والمستمرّة برفض القبول باتفاق الطائف ومندرجاته ولا سيما في موضوع السلطات التي أعطيت لممثل أهل السنّة (رئيس مجلس الوزراء) على حساب ممثّل الموارنة في رئاسة الجمهوريّة؟
• ألا يعبّر «حزب الله»: كياناً ووجوداً ونظاماً وممارسة وأهدافاً ودوراً من انتقال، بل نقل لبنان الى موقع جديد ومعادلة جديدة في الشرق الأدنى؟
• ألا تشكّل هذه الوضعيّة الاستثنائيّة التي يمرّ بها لبنان: قضايا الحدود ومتطلبات الحياة للمواطنين امتحاناً صعباً وقاسياً لمن يستلم أو يسلّم السلطة؟ فأين هو الرئيس ميقاتي في كل ذلك؟
• إن الذين يعرفون الرئيس ميقاتي عن قرب يدركون مسألة أساسيّة وهي ان الرئيس ميقاتي رجل يمتلك العديد من مقوّمات الصمود والمواجهة، هذه السمة تعود الى جملة أسباب يعرفها متابعوه:
- أوّلها كونه رجل علاقات عامة مع الجميع.
- وثانيها كونه رجل انفتاح على مختلف الآراء والمواقف.
- وثالثها كونه رجل حوارٍ بامتياز حول مختلف النظريات.
• وإنطلاقًا منه، وبناءً عليه، إجتهد الرئيس ميقاتي لبناء نظام فكري سياسي في الاسلام هو العمل على أدلجة فكرة الوسطيّة كقاعدة للفكر الاسلامي. ومن أجل ذلك عقد مؤتمرات وندوات لمفكرين عرب ومسلمين لشرح معنى الوسطيّة وجعلها قاعدة للنظام الفكري – السياسي- العربي – الاسلامي.
• في خلاصة كل ذلك يمكن القول بأن الرئيس ميقاتي أعطى نموذجاً يجمع بين الثقافة والإنفتاح والبورجوازيّة السنيّة والقدرات الماديّة والعلاقات الدوليّة مما أعطاه الرصيد الذي يتمتّع به الآن في لبنان.
• ... تبقى المسألة المثيرة للجدل حالياً وهي مسألة تشكيل الحكومة اللبنانية. والحقيقة ان هذه المسألة تعود الى عاملين:
- عامل الذين لم يستوعبوا ولا يريدون ان يستوعبوا مضامين اتفاق الطائف ودور رئيس الحكومة كممثّل للطائفة السنيّة في السلطة: فهو اختير لكي يختار ويشكّل!
- عامل الذين لم يستوعبوا ولا يريدون ان يستوعبوا مضامين نصّ الدستور اللبناني بأن تشكيل الحكومة شيء وشرعنة تشكيل الحكومة بمرسوم جمهوري شيء آخر.
ثالثًا: مأزق أهل السنّة في الشرق الأوسط.
في كتابنا الذي بعنوان «استهداف أهل السنّة» جعلنا المقدّمة تحت عنوان «أهل السنّة في مواجهة العالم» ولعلّ منطقة الشرق الأوسط هي من أكثر المناطق في العالم تأثيراً بهذا الواقع، ألا وهو الزيادة الديمغرافية في السكان وهي زيادة تهدّد الأقليات. وبسبب ذلك عملت إسرائيل ولا زالت تعمل على ابعاد العرب السنّة عن فلسطين كي لا يبتلعها المارد السني، او كما يقول بعض المفكرين اليهود: تصبح إسرائيل فريسة بطون النساء الحوامل السنيّات. انطلاقاً من ذلك يمكن فهم الأسباب العميقة لما شهدته المنطقة من حروب وثورات وتهجير سكاني «مقصود» وليس صدفة. ومن هنا فإنّ عودة المهجّرين قسراً ليست مسألة مادية أو سياسية. إنّها في العمق مسألة وجوديّة جيو- استراتيجيّة يدفع لبنان وسيظل يدفع ثمناً لها لفترة غير محدودة.
مشكلة القيادات السنيّة في لبنان والشرق الأوسط أنها غير قادرة على مواجهة التحدّيات التي تتعرّض لها. بعضها يعرف الأسباب ومعظمها يجهلها. ولبنان كعادته يحمل مشعل التنوير الفكري والسياسي ويسعى للقيام بدور فاعل في هذا الواقع الصعب والمعقّد والمليء بالألغام.
علّه، بواسطة مسؤوليه المخلصين، وشعبه الطيّب، يكون قادراً على لعب دوره التاريخي: خدمة للفكر والانسان ولبنان والعرب في آن.