جينيفر بريك مورتازا شفيلي

ما وراء الاضطرابات في أوزبكستان

9 تموز 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 01

مسجد في منطقة كاراكالباكستان

في أواخر الأسبوع الماضي، اجتاحت أعمال العنف "نوكوس"، عاصمة "كاراكالباكستان" (جمهورية ذاتية الحُكم داخل أوزبكستان). كانت هذه الاحتجاجات سلمية في بدايتها، وقد تأجّجت في الأصل بسبب تعديلات مقترحة لدستور أوزبكستان لتجريد "كاراكالباكستان" من مكانتها كجمهورية ذات حُكم ذاتي يحق لها أن تنفصل عن البلد.

إنها أكبر أعمال عنف سياسية تشهدها أوزبكستان منذ مذبحة "أنديجان" في العام 2005، حين حاولت الشرطة سحق الاحتجاجات المعادية للحكومة وقتلت 187 شخصاً، وفق التقديرات الرسمية. تُخيّم أحداث "أنديجان" على أوزبكستان منذ أكثر من عشر سنوات، فقد عزلت حكومة الرئيس الراحل، إسلام كريموف، نفسها عبر قطع علاقاتها مع العالم. حتى أن كريموف لام الولايات المتحدة وأوروبا على إطلاق تلك "الثورة الملوّنة".

حين انتشرت الأخبار حول التعديلات الدستورية، بدأت الاحتجاجات في "نوكوس" وبلدات أخرى في "كاراكالباكستان". اضطرت الحكومة في طشقند لاستدعاء الجنود من خارج "نوكوس"، لأن جزءاً من ضباط إنفاذ القانون المحليين قرر دعم المحتجين. اتخذت الاحتجاجات السلمية منحىً عنيفاً عشية 1 تموز.

منذ تفشي جائحة "كوفيد - 19"، تراجعت الحكومة عن تطبيق جزء من الإصلاحات التي اقترحتها قبل بضع سنوات. زعمت وسائل الإعلام مثلاً أن الحكومة زادت مضايقاتها ومستوى رقابتها. وصرّح أكاديميون وناشطون في طشقند لصحيفة "فورين بوليسي"، في الأسبوع الماضي، بأن التنظيمات الجديدة أنتجــت عوائق تحول دون تلقــي الهبــات الخارجية المخصصة لنشاطاتهم.

مع ذلك، لا يزال الرئيس شوكت ميرزيوييف يتمتع بشعبية واسعة في أوزبكستان. حققت إصلاحاته مستويات عالية من النمو الاقتصادي، وجذبت استثمارات خارجية جديدة إلى اقتصاد البلد الذي كان يرتكز سابقاً على مبدأ الاكتفاء الذاتي. حتى أنه سعى إلى إصلاح العلاقات المتضررة مع الدول المجاورة والغرب.

عندما طرح البرلمان التعديلات المقترحة في أواخر شهر حزيران، بقيت ردود الأفعال تجاهها محدودة بشكل عام. كان المجتمع مستعداً أصلاً لتعديل الدستور بهدف تمديد ولاية ميرزيوييف. لكنّ التعديلات المرتبطة بمكانة "كاراكالباكستان" فاجأت الجميــــع، وخصوصاً المراقبين في طشقند البعيدة.

لم يسبق أن شهدت "كاراكالباكستان" أعمال عنف بالمستوى الذي اندلع في الأسبوع الماضي. كان جزء من الناشطين في المجتمع المدني يطمح إلى توسيع الحقوق الثقافية ويحلم بالاستقلال، لكن تسود فكرة ضمنية مفادها أن هذه المنطقة الفقيرة لن تتمكن يوماً من تحمّل كلفة استقلالها. ينتمي ثلث سكانها فقط إلى جماعة "كاراكالباك" العرقية، وتنقسم بقية المنطقة بالتساوي بين الكازاخ والأوزبك.

قام ميرزيوييف، منذ وصوله إلى السلطة، باستثمارات واسعة في منطقة "كاراكالباكستان" الفقيرة. تجاوزت هذه الاستثمارات حدود "نوكوس"، ووصلت إلى بلدات مثل "مويناك" و"كونغراد" و"ترتكول". تقع بلدة "مويناك" الفقيرة على سواحل ما كان يُعرَف باسم "بحر آرال"، وهي تملك الآن مياه شرب نظيفة ومطاراً.

استفادت "كاراكالباكستان" أيضاً من انفتاح أوزبكستان الإقليمي في عهد ميرزيوييف. تصل القطارات بانتظام إلى "ألماتي"، أكبر مدينة في كازاخستان، ويسافر الكثيرون إلى كازاخستان وروسيا للعمل. سهّلت طشقند رحلات السفر على السكان، وشهدت "كاراكالباكستان" في السنوات الأخيرة ازدهاراً لم يتوقعه الكثيرون. بدا وكأن الوضع يتجه إلى التحسن.

حين كان البلد ينتظر التعديلات الدستورية المقترحة، لم يتوقع أحد تغيير مكانة "كاراكالباكستان". ركّزت معظم الإصلاحات المتداولة علناً على تغيير النظام القانوني وتمديد ولاية الرئيس.

في 25 حزيران، طرحت لجنة دستورية شكّلها البرلمان التعديلات المقترحة. بموجب الدستور الحالي، تملك "كاراكالباكستان" الحق بالانفصال، بالإضافة إلى التمسك بحُكمها الذاتي. لن تُجرّد التعديلات المقترحة تلك المنطقة من حقها بالانفصال فحسب، بل إنها تُخفّض مرتبتها من منطقة ذاتية الحُكم داخل أوزبكستان إلى مجرّد محافظة.

في طشقند، شعر الجميع بصدمة قوية عند الكشف عن التعديلات المرتقبة. كان الرأي العام يتوقع تغيير مدة الولاية الرئاسية، فقد تكلم مستشار مقرّب من الرئيس عن هذا التعديل علناً. لكن لم تظهر أي مؤشرات مسبقة حول تغيير مكانة "كاراكالباكستان".

فور نشر التعديلات علناً، توقع الصحافيون المحليون أن تنشأ مقاومة واسعة ضد هذا القرار. لكن لماذا اختارت الحكومة إحداث هذه التعديلات في الوقت الراهن؟

يتعلق سبب محتمل بقناعة شائعة في أوساط الحكومة في طشقند: يبدو أنها افترضت أنها تستطيع إخضاع الناس في تلك المنطقة بعد الاستثمارات الهائلة التي قامت بها هناك. تسود في "كاراكالباكستان" أجواء مؤيدة للاستقلال، لكنها ليست كافية لإطلاق حركة انفصالية. وبما أن "كاراكالباكستان" أصبحت أكثر اتكالاً على الاستثمارات والتحويلات المالية من طشقند، لا أحد يعرف طبيعة المنافع الاقتصادية التي يمكن حصدها بعد انفصال تلك المنطقة النائية والفقيرة عن الحُكم المركزي.

لم تكن مكانة "كاراكالباكستان" مسألة سياسية محتدمة في السنوات القليلة الماضية. في ظل تكثيف الاستثمارات على طول الحدود التي تزداد انفتاحاً، بدا وكأن سياسة ميرزيوييف تجاه هذه المنطقة نجحت.

قد لا نعرف مطلقاً السبب الذي دفع طشقند إلى اتخاذ قرار بتجريد "كاراكالباكستان" من استقلاليتها بحُكم القانون. تشبه هذه الخطوة موقف الرئيس فلاديمير بوتين عشية الغزو الروسي لأوكرانيا هذه السنة، فهو لام الزعيم السوفياتي السابق، فلاديمير لينين، وانتقد سياسة الجنسية التي طبّقها كونها تمنح الدول الصغيرة الحق بتقرير مصيرها بموجب الدساتير المعمول بها في الحقبة السوفياتية، واعتبرها "قنبلة موقوتة".

ربما شعر المسؤولون في طشقند بالقلق من تكرار الأحداث نفسها عند النظر إلى وضع "كاراكالباكستان" التي لم تشهد يوماً حركات قومية واسعة النطاق. لكن يظن بوتين أن تكريس هذه الحقوق دفع المناطق الصغيرة إلى المطالبة بتوسيع حقها بتقرير مصيرها. برأي محلل موالٍ لحكومة أوزبكستان، يجب أن تُحرَم "كاراكالباكستان" من حق الانفصال عن البلد لأن هذه الخطوة قد تسهّل "مؤامرات القوى الخارجية".

في غضون ذلك، تم اكتشاف احتياطيات غاز وافرة في المنطقة في العام 2018، فزادت أهميتها مقارنةً بالماضي. لكن حتى احتمال انفصال المنطقة يثير توتر طشقند، مع أنه خيار مستبعد، إذ تشمل "كاراكالباكستان" موارد طبيعية يعتبرها بعض القادة المحليين وسيلة لحماية مكانتها ككيان مستقل.

نتيجة الأحداث الأخيرة، انهارت الثقة بين "كاراكالباكستان" والحكومة المركزية في أوزبكستان. وتلاشت النوايا الحسنة التي عبّرت عنها تلك الحكومة تجاه "نوكوس" بعد نشر الإصلاحات الدستورية.

على صعيد آخر، تثبت هذه الأزمة أن الحكومة منفصلة بالكامل عن شؤون الشعب وتؤكد على فشل الجهود التي أطلقها الرئيس للتواصل مع المواطنين، علماً أن هذه الحملة شكلت حجر أساس لسياسته المحلية. من دون انفتاح وسائل الإعلام، وتراجع السيطرة على الانتخابات، وتمكين المجتمع المدني من تنظيم صفوفه بكل حرية، ستبقى أوزبكستان معرّضة لأحداث غير متوقعة دوماً.

قد تُحدد طريقة تعامل السلطات مع أعمال العنف الأخيرة مستقبل السياسة الداخلية والخارجية للبلد. بدل مراجعة الشؤون الداخلية لتحديد أسباب الصراع، تحاول معظم دول المنطقة إلقاء اللوم على جهات خارجية، فتلوم عدداً كبيراً من اللاعبين، بدءاً من الأميركيين وصولاً إلى الروس والمتطرفين الإسلاميين.

تقف أوزبكستان اليوم على مفترق طرق، وقد يتأثر موقعها الجغرافي وخياراتها السياسية. إذا قرر البلد مواجهة ما حصل بطريقة مباشرة وحافظ على الانفتاح الذي يطوّره منذ فترة، يسهل أن يحصد المنافع. يتوقع صندوق النقد الدولي أن يتابع البلد نموه الاقتصادي السريع ويُخفّض مستوى الفقر إلى النصف خلال العقد المقبل، نظراً إلى مسار الإصلاحات الاقتصادية حتى الآن.

على المستوى الجغرافي، تحتل أوزبكستان مكانة مهمة لأنها متاخمة لأربعة بلدان أخرى في آسيا الوسطى ولأفغانستان أيضاً، وهي تشمل أكبر عدد سكاني في المنطقة ككل. إذا قررت أوزبكستان الانغلاق على نفسها بسبب الأحداث الأخيرة وأقفلت حدودها المفتوحة ووضعت حداً لتبادلاتها مع العالم الخارجي، قد تُعرّض النمو والاستقرار للخطر في المنطقة كلها. حتى أنها قد تجازف بزيادة مظاهر الفوضى على المدى الطويل.

يبدو أن التعديلات الدستورية المقترحة كانت خطأً عرضياً من جانب حكومة ميرزيوييف، فقد كشفت هشاشة جهودها الرامية إلى إشراك المواطنين في مبادراتها رغم غياب أي حوكمة تشاركية حقيقية. سارع ميرزيوييف إلى إلغاء التعديلات المقترحة، وهي خطوة إيجابية بالنسبة إلى سكان "نوكوس".




اعمال العنف في أوزباكستان




تزعم طشقند أن أعمال العنف يتم التخطيط لها منذ وقت طويل من جانب "قوى خارجية خبيثة تهدف بشكلٍ أساسي إلى مهاجمة وحدة الأراضي الأوزبكية وإطلاق صراع عرقي داخلي". لكنّ لجنة دستورية داخل البرلمان المحلي هي التي صادقت على هذه التعديلات التي لا تتماشى مع تطلعات الرأي العام.

ستتذكر "كاراكالباكستان" لفترة طويلة أن قرارات طشقند أطلقت أعمال العنف وأجّجت صراعاً سياسياً لا يريده أحد. قد يمارس المجتمع الدولي الضغوط على طشقند لإجراء تحقيق مستقل حول سبب اندلاع أعمال العنف الأخيرة، لكن يُفترض أن يقرر ميرزيوييف أولاً التكلم صراحةً مع شعبه حول أصل تلك التعديلات المقترحة ويبدي استعداده لمناقشة استعمال القوة المفرطة من جانب أجهزة أمن الدولة. إنها أول خطوة أساسية لإصلاح العلاقات المتضررة، لكنّ استرجاع ثقة الناس يتطلب وقتاً طويلاً.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.