المسرح مكان تقليدي نرتاده للتمتع بمسرحية تدار باللغات الفرنسية والانكليزية او العربية. لكن الليلة هذه كانت أمسية خارج المعهود؛ ولم تشهد لغات اعتادتها الاذن. على المدخل تستقبلك شجرة وطاولة مستديرة الى جانبها وضعت عليها قصاصات ملونة من الورق مع اقلام بألوان مختلفة.
تطلب منك يابانيتان بزي الكيمونو التقليدي اختيار قصاصة وقلم وكتابة ما تتمناه لتعليقه على الشجرة التي- وفق التقاليد اليابانية- تحقق امنياتك في المدى المنظور.

تكتب حلمك بلبنان جديد لتجد؛ فيما تسارع لتعليق آمالك؛ قصاصات بالعشرات تحكي في غالبيتها توقاً متجذراً لوطن طبيعي هانئ يعمه السلام والازدهار. ثم تلتقي بها: آني فارتيفاريان وقد اغرورقت عيناها بالدموع؛ المرأة العصامية الفولاذية التي لا تجيد الاستسلام؛ فمنذ خطف انفجار بيروت فلذة كبدها غايا فودوليان في ذلك اليوم من آب المشؤوم وهي تعمل بلا هوادة لاعادة احياء الحجر والبشر. بدأت بإعادة الحياة الى مبنى "طبال" المهجور لتبث فيه الحياة بمعرض استثنائي ضمنته من روح غايا التواقة لانشاء فضاء افتراضي واسع يحتضن الاعمال الفنية فأودى الانفجار اللعين بها قبل ان تحقق حلمها.

ولكن آني الثكلى حملت مشعل ابنتها ببسالة ومضت من مشروع الى آخر تنفذ احلام الشابة المغدورة؛ فكان معرض "تائه بالاتجاه الصائب" Lost in the right direction في بيت مري (عنوان دونته غايا على الفايسبوك ذات يوم) سلطت فيه الضوء على آثار المنطقة المنسية بأعمال فنية مختلفة لنحاتين وفنانين تشكيليين وحرفيين بعثرتها في ارجاء المساحة التي تشرف عليها المديرية العامة للآثار. مسرحية التي نتحدث عنها ايضاً تندرج في خانة اعادة الاحياء نفسها وعناوين وقضايا دافعت عنها بشراسة كحماية الحيوانات فريعها مخصص لهذا الهدف السامي.

"ولادة جديدة" Rebirth هو عنوان المسرحية اما الكاتبة والمخرجة فيابانية اسمها آيكو تطوعت لخدمة لبنان منذ العام 2013. تعرفت آيكو على آني في متجر لفن "الايكيبانا" حين كانت تشكي لصديقتها؛ صاحبة المتجر؛ حيرتها امام ما ينبغي ان تقدمه في ذكرى عيد ميلاد غايا الذي يصادف في السابع من تموز قبل شهر من الانفجار ذاته.

تعرض عليها آيكو مسرحية باليابانية تحكي الفراق والحب والامل والولادة من جديد. اختارت للمسرحية طاقماً من طلاب يتعلمون اليابانية في جامعة القديس يوسف وفتاة استثنائية تعمل معها في الميدان الانساني اسمها احسان حطب تعاني مشاكل في النظر؛ وتمتاز ببراعة في الاداء لا مثيل لها وبشخصية تحفر في الجمهور حفراً بدور جبران الكاتب والراوي. مرنت آيكو الطاقم وحدها وشاءت ان تترك مضمون المسرحية مفاجأة لآني. المسرح خال إلا من كرسي احمر اللون من تصميم "غايا" وشجرة الحياة التي علقت عليها الامنيات.

إختارت آيكو الكرسي لانه يذكرها بحرف "هايتو" الياباني الذي يرمز بشكله الى التعاضد فلا يصمد الشكل إلا بوجود السند بين طرفي الكرسي. والكرسي هذا بمثابة ولادة غايا الثانية؛ فقد نفذته الام بعدما كان حبراً على ورق لتخليد فكرة ابنتها الضحية. ومع ان الحوارات المختلفة بين الممثلين التسعة كانت تدور باليابانية؛ ورغم ان الجمهور كان غريباً عن اللغة والحضارة اليابانية على حد سواء؛ كانت براعة الاداء والتعبير بالايحاء والجسد كفيلة بإيصال الرسالة بسلاسة مطلقة.

طاقة عجيبة كانت تربط الجمهور بالمؤدين وكأنه يعرفهم منذ أزل ويعيش معهم ساعات من الحزن والفرح فتارة يشعر بدفء الحب واخرى ينتحب لبعد او فراق؛ وهكذا مرت انفعالات الحب والابوة والانفصال والحرب والموت في ساعة غاب عنها الملل. كأننا كلنا تحولنا الى عشرات من الـ"غايا" ت التي تخفق في ارجاء المسرح. نموت حزناً وانتحاباً لنعود الى الحياة مجدداً بروح أصفى ونقاء لا يتسع إلا للحب.

يعلو التصفيق لأداء بعيد عن التصنع محترف الى اقصى الحدود. ينتهى العرض. تشكر آيكو الجمهور بحرارة لمساعدته في ابقاء قضية غايا حية في النفوس. تدعو آني لاعتلاء المسرح فتفعل بعد تردد كونها لا تحب الاضواء. تنحني آيكو امامها تقديراً لشجاعتها وتقديمها لحب الحياة على يأس الاستسلام.

تتذكر ما قالته لك قبل لحظات من بدء المسرحية. "كانت غايا تحب الكلام الجميل والعبارات المعبرة كانت تحب السفر والتحليق الى اماكن بعيدة غير اعتيادية"، وتضيف ما قالته ذات يوم: "خذني الى مكان أفضل"... الليلة فعلتها غايا... اخذتنا نحو حياة من طعم آخر... هناك حيث لا خوف ولا حزن ولا شيء إلا امتداد لامتناه لدفء الحب... شكراً غايا وآني.
