تُحيل استقالات لندن والتغييرات اللاحقة الى تجارب تعيشها بلدان اخرى، يحكمها سلطويون وديكتاتوريات، وتحيل ايضاً الى تجربة لبنان الديمقراطي الذي تستولي عليه مافيا السلاح والفساد.
1.أمضى بوريس جونسون، القادم من أعتق تجارب الحكم الديمقراطي في العالم، ثلاث سنوات في حكم بريطانيا، احدى الدول العظمى الخمس، نظّم خلالها خروج بلاده من الإتحاد الأوروبي، وواجه عواقب تفشي كورونا، واحتل موقعاً متقدماً في مواجهة روسيا ودعم اوكرانيا بعد اندلاع الحرب بين البلدين. لكنه وقبل نهاية العام الثالث سقط سقوطاً مدوياً، والغريب في الأمر أنه لم يضطر للاستقالة نتيجة للأزمة الإقتصادية المتفشية في بلاده والعالم بسبب الحرب الأوكرانية، ولا نتيجة سياسته الخارجية ولعبه دور رأس الحربة في مواجهة موسكو، وإنما لأسباب أقل قيمة، تبدو تافهة بالمقارنة مع فضائح تماسيح سلطات اخرى، منها على وجه الخصوص السلطة الحاكمة في لبنان.
موقع «روسيا اليوم» الذي كان ملائماً له القول ان جونسون دفع ثمن مواقفه المعادية لروسيا، لم يذهب في هذا المنحى وعدّد خمس فضائح ادت الى انهيار حكم السيد بوريس، اوردها على النحو التالي:
الأولى، قيام مستشاره دومينيك كامينغز بـ»رحلة واحدة على الأقل» مع عائلته خلال جائحة كوڤيد- 19 من لندن الى مقاطعة دورهام داخل بريطانيا بعد بداية الإغلاق العام في اذار 2020 خارقاً بذلك قرارات الحكومة!
الثانية، تمويل تجديد المقر الرسمي لوزير الخزانة البريطانية، وما أثير عن استخدام قرض لم يتم الإفصاح عنه في البداية، علماً ان التكلفة تم سدادها بالكامل في اذار 2021.!
الثالثة، منح عقود لمؤسسات ساهمت في المساعدة على مكافحة كورونا، والتهمة كانت تخصيص أصدقاء ببعض هذه العقود بينها واحد من وزارة الصحة لانتاج مجموعات اختبار فيما حجبت عقود عن شركات اخرى.
الرابعة «بارتي غيت» الشهيرة عندما اقيمت حفلات سهر للموظفين في منزل رئيس الوزراء رغم الإغلاق الشامل!
الخامسة التي قصمت ظهر جونسون تتعلق بسوء السلوك الجنسي لنائب رئيس حزب المحافظين السابق، ورغم ذلك عينه رئيس الوزراء في منصب برلماني قبل ان يعتذر عن فعلته!
لو قيست هذه «الفضائح» بالمعيار اللبناني لكانت لا شيء. تهمة محاباة محدودة في تلزيمات الكورونا، وسهرة تحت عنوان لا داعي للهلع، ومشوار عائلي لمسؤول داخل البلد خرقاً للإغلاق، كلها عناوين لا تصلح للنشر في أبعد صفحة من صفحات الصحف أو لا تستحق النشر إطلاقاً، وهي مع ذلك زعزعت عرش ابن جونسون الرجل القوي في الغرب واطاحت به، أما التسبب بأكبر انهيار اقتصادي ومالي منذ 150 سنة وتعمّد الكساد في إقتصاد بلد وسرقة مقدراته وتهريب أموال مودعيه وسلبها وتفجير عاصمة وقتل سكانها ومنع التحقيق في الأسباب لمحاكمة المتسببين وانزال العقاب بهم… كلها لا تساوي جرماً ولا تستوجب محاسبةً، بل هي في التجربة اللبنانية الشرق اوسطية الممانعاتية تستدعي تأبيداً لحكم الشلة المتماسكة التي ترث طوائف وبنوكاً وميليشيات وتجدد لنفسها في انتخابات على القياس، فلا تعود الديمقراطية ذات شأن وتستمر سلطة الـ»لويا جيرغا» في وجه روحية الـ «ماغنا كارتا».
لا تصح مقارنة الممارسة السياسية بين لبنان وبريطانيا، لكن من حقنا بعضُ التأمل والأمل في أن ينجب اللبنانيون سياسيين يكونون يوماً ما عوناً لهم في دحر مصائبهم.
وان يتمكنوا في لحظة ما من إعادة بعض الحياء لأركان منظومة فقدت الحياء تماماً تجاه القانون وتجاه الناس، فربما عند ذاك نشهد نماذج متأثرة بالتجربة البريطانية ورفضها المساومة في موضوع المحاسبة، فتستقيل وترتاح، أو ربما لا تفعل لأن ليس لتورطها من بدائل.