مينا الغريبي

بعد خمس سنوات على تحرير الموصل... آمال متجددة بين أنقاض المدينة

13 تموز 2022

المصدر: Foreign Policy

02 : 01

فريق يعمل على إعادة ترميم مئذنة تعود إلى القرن الثاني عشر في مدينة الموصل القديمة
تُعرَف مدينة الموصل الشمالية القديمة في العراق بـ"أم الربيعَين" وسط سكانها المحليين. تحمل هذه المدينة أيضاً لقب "الحدباء"، في إشارة إلى أشهر مئذنة منحنية فيها في جامع النوري الذي يعود إلى القرن الثاني عشر. اليوم، حوّل الطقس المتطرف فصول الربيع إلى صيف، ولم تعد تلك المئذنة الأسطورية تعلو في سماء الموصل، فقد فجّرها إرهابيون من تنظيم "داعش" في العام 2017، قبل أسابيع قليلة على نجاح الجيش العراقي، وميليشيات عراقية متنوعة، وقوات البيشمركة الكردية، والحلفاء الدوليين بقيادة الولايات المتحدة، في إنهاء حُكم تلك الجماعة الهمجية التي حكمت المدينة طوال ثلاث سنوات.

تدمّر معظم أجزاء المركز التاريخي في الموصل، على الضفة اليمنى لنهر دجلة، بسبب مدفعيات قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، وفجّر تنظيم "داعش" عدداً من المواقع البارزة أيضاً. سُمِح لمعظم مقاتلي "داعش" بالهرب إلى مدن أخرى، لكنهم حوصروا في الموصل وتعرّضوا لقصف عنيف، فلم يحتج محررو المدينة حينها إلى خوض قتال متنقل من منزل إلى آخر وتكبّد خسائر كبرى. لن يعرف أحد يوماً عدد القتلى المصلاويين (يُعرَف سكان الموصل بهذا الاسم) على يد "داعش" أو خلال المعركة، فقد دُفِن عدد كبير منهم تحت الأنقاض خلال القصف. تشير التقديرات إلى تدمير 8 آلاف مبنى أو تضررها بشدة في المدينة القديمة في الموصل، ولم يُرمَّم عدد كبير منها حتى الآن. عند إضافة أجزاء أخرى من المدينة التي احتدمت فيها المعارك، تصل تقديرات المباني المتضررة أو المدمّرة إلى 138 ألفاً.

وفق معطيات المنظمة الدولية للهجرة، هرب أكثر من مليون شخص من الموصل بحلول آب 2017، من أصل مجموع سكاني كان يبلغ 4 ملايين نسمة قبل عهد "داعش". قد تُركّز معظم وسائل الإعلام على الجماعة اليزيدية التي استهدفها التنظيم الإرهابي بهدف إبادتها جماعياً، وهو أمر مبرّر، لكن عاش المصلاويون أيضاً معاناة كبيرة في عهد "داعش"، فقد تعرّض كل من عَمِل لصالح الحكومة العراقية أو يُشتبَه بأنه يعارض حكّام المدينة الجدد للإعدام أو الاعتقال. نتيجةً لذلك، هرب المصلاويون من جميع الأطياف إلى خارج المدينة، منهم أشخاص قُصِفت منازلهم ولم يجدوا مكاناً يبيتون فيه. كذلك، يصل عدد المصلاويين النازحين إلى مئة ألف شخص تقريباً حتى الآن، ويعيش جزء كبير منهم داخل مخيمات اللاجئين في ظروف مريعة. ولا يتلقى من يعجز عن تحمّل كلفة إعادة بناء منزله دعماً مادياً كافياً.

بقيت جهود إعادة الإعمار بطيئة على نحو مؤلم، فقد أعاقتها قلة الأموال والفساد المستفحل الذي يستنزف معظم المبالغ التي تصل لمساعدة المدينة. بعد خمس سنوات على تحرير الموصل، لا يزال مطارها الدولي مغلقاً والمستشفى الأساسي فيها مدمّراً. يجيد السكان التكيّف مع الظروف المستجدة، وقد ظهرت أطراف قوية جديدة في المدينة. تُزيّن صور قادة الميليشيات الشيعية الساحات العامة للدلالة على الفريق الذي يفرض سيطرته هناك، علماً أن هؤلاء القادة لا يتمتعون بشعبية واسعة في الموصل لكن دخل المقاتلون التابعون لهم إلى المدينة خلال تحريرها وبقيوا فيها، منهم قائد "فيلق القدس" الإيراني، الجنرال قاسم سليماني الذي اغتيل بضربة أميركية في العام 2020، وقادة ميليشيات موالية لإيران، مثل أمين عام جماعة "عصائب أهل الحق"، قيس الخزعلي. باختصار، يبدو المشهد العام قاتماً.

لكن تظهر في المقابل بارقة أمل من نوع آخر في الموصل. بفضل جهود السكان المحليين وبمساعدة الأصدقاء في الخارج، بدأت المدينة تتعافى بوتيرة بطيئة لكن ثابتة. أصبحت حملة إعادة إعمار آثار المدينة ومبانيها العامة قيد التنفيذ. أُعيد إعمار مكتبة جامعة الموصل مثلاً، ويجري العمل على إعادة بناء جامع النوري، بما في ذلك المئذنة المنحنية الشهيرة، فضلاً عن كنيستَي "الطاهرة" و"الساعة" التاريخيتَين في الموصل، بتمويلٍ من الإمارات العربية المتحدة وتحت رعاية منظمة اليونسكو. كذلك، بدأت حملة لزرع آلاف الأشجار في المدينة خلال السنة الماضية. تتطلب إعادة الإعمار فترة من الزمن، لكن يتوق سكان الموصل إلى رؤية نتائج ملموسة. في الذكرى الخامسة لتدمير جامع النوري، نظّم مئات المصلاويين الشباب، بقيادة الناشط المدني أيوب ثنون، "يوم التراث الموصلي" عبر عرض فنون متنوعة.

على صعيد آخر، حصلت الموصل أخيراً على حاكم معروف ومحبوب بشكل عام. يُعتبر الجنرال السابق في الجيش العراقي، نجم الجبوري، قوياً بما يكفي لتحريك مشاريع إعادة الإعمار. اضطر هذا الأخير للتواصل مع ميليشيات متنوعة في المدينة والمحافظة التي يحكمها، لكنه شرّ لا بد منه في العراق اليوم لتجنب الفتنة وإنجاز المهام. كان سلفه نوفل العاكوب قد أُقيل من منصبه في العام 2019 واتُّهِم بالفساد. فرضت عليه الولايات المتحدة العقوبات في العام 2020 أيضاً لمنعه من العودة إلى السلطة.

تبقى الموصل حتى هذا اليوم مكاناً صمدت فيه فسيفساء متنوعة من الأديان والأعراق التي كانت تُميّز المنطقة سابقاً، ولو أن صمودها جزئي. بدأت هجرة الأقليات إلى بلدان أخرى في مرحلة سابقة، ومع ذلك استهدف تنظيم "داعش" الأقليات غير السنّية بأقصى درجات التعصب، لا سيما الجماعات المسيحية واليزيدية. على مر ثلاث سنوات مؤلمة، كادت هذه الجماعة الإرهابية تتخلص من أقليات الموصل، فقد هربت مئات آلاف العائلات المسيحية واليزيدية من المدينة قبل عهد "داعش" وخلاله، ولا يمكنها أن تفكّر بالعودة حتى الآن. لكن تحمّلت الأقلية السنّية معاناة كبيرة خلال عهد "داعش" أيضاً. منذ خمس سنوات، فشل السياسيون في مساعي المصالحة داخل المدينة، مثلما فشلت الحكومة العراقية في إرساء المصالحة في البلد كله. تكثر الصدمات المتراكمة ومشاعر انعدام الثقة التي تحتاج إلى حل حاسم قبل تحقيق هذا الهدف.

لكن رغم غياب "داعش" اليوم، تُخيّم الأجواء التي تركها التنظيم وراءه على المدينة كلها. حتى الآن، لا يُجمِع الناس في العراق على هوية الفريق المسؤول عن سقوط الموصل وثلث الأراضي العراقية الأخرى. حتى أن نوري المالكي، الذي كان رئيس الوزراء العراقي في تلك الفترة وأمر الجيش بتسليم الموصل إلى "داعش"، عاد ليصبح من أبرز اللاعبين السياسيين محلياً. في غضون ذلك، تحوّل قادة الميليشيات التي نشأت بحجّة محاربة "داعش" إلى أمراء حرب دائمين، وهم يشاركون في رسم معالم النظام السياسي، منهم شخصيات مثل ريان الكلداني الذي فرضت عليه واشنطن العقوبات بسبب انتهاكه لحقوق الإنسان. تراجعت وتيرة التفجيرات الكبرى وغيرها من الحوادث الأمنية بشكل عام، لكن تستمر الاضطرابات في الموصل بسبب أجواء الخوف والترهيب، واستمرار عمليات الميليشيات، وإضعاف قوات الأمن الحكومية في المدينة.




يرتدون الزي التقليدي أثناء الاحتفال بيوم التراث في الموصل



من المبرّر أن يُركّز معظم المصلاويين على تحسين حياتهم في المدينة، لكن لا يُعلّق الكثيرون على المكائد السياسية الحاصلة في بغداد، ولا حتى في أوساط النُخَب داخل الموصل، علماً أن العاصمة لم تشهد على نشوء أي حكومة وطنية منذ انتخابات تشرين الأول 2021. لا مفر من أن تتأثر الموصل بتداعيات الجمود السياسي في العراق، ما قد يؤدي إلى تدهور الوضع الأمني خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. زادت الاعتداءات المدعومة من إيران ضد إقليم كردستان العراق الذي شكّل ملجأً آمناً لعدد كبير من المصلاويين. عملياً، ثمة علاقات عائلية وتاريخية وثيقة بين الموصل وكردستان العراق. لطالما شكّلت هذه المدينة جسر عبور بين قلب العراق وكردستان. كذلك تقع العاصمة الكردية، أربيل، على بُعد أقل من ساعة ونصف بالسيارة. يتنقل عدد كبير من المصلاويين بين الوجهتَين ذهاباً وإياباً. لا تزال نقاط التفتيش وتراخيص الإقامة ضرورية لدخول المنطقة التي تسيطر عليها حكومة إقليم كردستان، لكن زادت سهولة الإجراءات المتّبعة وتستمر الحركة عبر الحدود بلا رادع. لكن حين تتصاعد الاضطرابات بين بغداد وأربيل، قد يصبح سكان الموصل عالقين في الوسط.

تتزامن هذه التطورات كلها مع وجود خلايا إرهابية نائمة تنتظر الوقت المناسب لإعادة تجميع نفسها. تعرّض تنظيم "داعش" لهزيمة مدوّية في الموصل وجميع أنحاء العراق، لكنه لم يختفِ بالكامل بعد. تتعدد التقارير التي تؤكد على قتل أو اعتقال مقاتلين من "داعش" في العراق أسبوعياً، وتصدر أيضاً تقارير متقطعة لكن مقلقة حول وقوع اعتداءات يتبنّاها التنظيم.

مع ذلك، تبقى الذكرى الخامسة لتحرير المدينة خطوة واعدة بالنسبة إلى المصلاويين، بعيداً عن عهد الرعب الذي قاده "داعش". في الوقت نفسه، أصبح شبح مرعب آخر جزءاً من الماضي البعيد، إذ تتزامن السنة المقبلة مع الذكرى العشرين لبداية الحرب التي أسقطت الدكتاتور العراقي صدام حسين. لكنّ الأجواء الهادئة في الوقت الراهن تتخللها اضطرابات تُسبّبها الميليشيات، ومظاهر الفساد، وانعدام الأمن الغذائي، وشحّ المياه، والمخاوف من التغير المناخي. لكن تبقى مدينة الموصل وشعبها حتى الآن نموذجاً لقوة التحمّل والاتكال على الذات، إذ يبني السكان مدينتهم من دون مساعدات كبرى من أصدقائهم.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.