جان كلود سعادة

دولة اللاندرومات الكبير (١)

20 تموز 2022

02 : 00

كل الأفكار والنظريات عن ضرورة بناء «إقتصاد منتج» في لبنان وإنهاء مرحلة ما سُمّي «اقتصاد الريع» هي سرديّات لا تستقيم ولا تعبّر عن حقيقة الوضع الذي ساد في البلد منذ عقود.

ولكي نكون قادرين على وضع تصوّر واضح لدور لبنان وشكل إقتصاده المستقبلي ضمن خطة متكاملة وقادرة أن تؤسس لحلول جدّية ومستدامة علينا أن نكشف الواقع ونعترف بحقيقة السرطان الذي تفشّى وقتل البلد بما ومن فيه. فلا الإقتصاد الذي كان سائداً قبل الأزمة الحاليّة تصلح تسميته بالريعي ولا الإنتاج الحقيقي توافرت له الظروف الفعليّة لبناء إقتصاد لديه قدرات تنافسيّة حقيقيّة يكفي حاجات البلد ويتمكّن من التصدير بكميّات وازنة تدخل العملات الصعبة بدل تبديدها. وعدا المشاكل البنويّة التي أعاقت الإقتصاد اللبناني، لا يمكننا أن نغفل الإقتصادات الأخرى الموازية التي نشأت حوله وخنقته.

فالإقتصاد اللبناني قد تم تدمير قدراته الإنتاجية وحُجِبَ عنه التطوير والإستثمارات الضرورية للتمكن من المنافسة ومجاراة الإقتصادات الأخرى في المنطقة والعالم؛ فجرى تجفيف قطاعات الإنتاج وحصر الإهتمام بالمصارف والشركات العقارية والمقاولات والتجارة. أضف إلى ذلك عملية تشجيع الإستيراد المفرط للمواد الإستهلاكية التي كان يمكن إنتاجها محلياً وإضعاف مجموعة الخدمات العامّة الضرورية من كهرباء وماء وإتصالات ونقل عام لمصلحة الكارتيلات، وأوضح ألأمثلة هو إعدام قطاع الكهرباء لمصلحة المولدات الخاصّة وكارتيل المازوت وكذلك ضرب قطاع النقل العام لمصلحة تجارة السيارات المستعملة والجديدة. فشكل النظام الإقتصادي الذي ساد خلال العقود الثلاثة الماضية وممارساته كانت كلها توحي بوجود آلة سرقة منظمة تعمل في الخفاء ليل نهار وكل شيء آخر يعمل في خدمتها.

إقتصاد التبييض

الأزمة الأخيرة التي أصابت لبنان والتي تسببت بها التفليسة الكبرى للقطاع المصرفي والنقدي حولت لبنان رسميّاً إلى «جنّة التبييض» فبعد توقف المصارف عملياً عن دفع الودائع لأصحابها وبعملتها الأصلية تحوّل نشاطها من العمل المصرفي إلى مجرّد كونتوارات للكاش تجري فيها فقط عمليات سحب الأموال حسب تعاميم مخالفة للقوانين والصرافة حسب أسعار منصّات متعددة فتحوّل الإقتصاد بمجمله إلى «اقتصاد صديق للتبييض».

فهذا النوع من الإقتصاد النقدي هو البيئة المثالية لعمليات تبييض الأموال؛ كما إن افتقاد السوق للدولار النقدي جعل من السهل جداً تصريف كميّات هائلة من الدولارات المجهولة المصدر إن بالتداول اليومي والصرافة أو عبر عمليات تجارية وصفقات عقارية بالملايين تتم جميعها بالدولار الكاش. ولكن في الحقيقة لم تفعل الأزمة الأخيرة سوى تنشيط عمليات تبييض الأموال وجعلها تبدو عادية وطبيعية جداً وظاهرة للعيان فتركيبة النظام اللبناني جعلته الوجهة المفضلة لمثل هذه الأعمال منذ عقود. ولا نتحدث هنا عن دراسات علميّة وتحقيقات جنائية وإستقصائيّة يمكنها أن تكشف بالدليل القاطع وبالأرقام حجم الأموال المبيّضة عبر الإقتصاد اللبناني، بل نكتفي بمشاهداتنا كمراقبين عن هذه النشاطات البالغة الوضوح حتى بالنسبة للمواطن العادي وفي حياته اليومية.

أموال الأنظمة والمال السياسي

منذ أواسط القرن العشرين ساهمت التطورات التي حصلت في المنطقة بتحّول لبنان إلى نقطة جذب للرساميل الهاربة والتي تبحث عن مكان آمن وبيئة منفتحة على أسواق التجارة والإستثمار العالمية. لم تكن حركة الرساميل هذه عفوية وتلقائية فقط فقد شجع لبنان عبر قانون السرية المصرفية ووجود المصارف الأجنبية وخبرة المصارف المحلية على تطور هذه الحركة وتحولها إلى عنصر أساسي في تكوين شكل الإقتصاد اللبناني وتركيزه حول قطاعات المال والخدمات المصرفية. فمن نكبة فلسطين وهروب جزء كبير من الرساميل وأصحابها إلى بيروت، إلى مرحلة الإنقلابات والتأميم التي تلتها في بعض البلدان العربية والتي دفعت قسماً آخر من أصحاب الأموال للإنتقال إلى لبنان، وصولاً إلى الفورة النفطية في دول الخليج العربي وارتياح هؤلاء في البداية للتعامل مع المصارف والسوق اللبنانية، أصبح لبنان مركزاً ماليّاً ومصرفيّاً في المنطقة.

إستمر هذا الأمر حتى بداية الحرب في لبنان سنة 1975 والتي أغلقت ابواباً لحركة الرساميل وفتحت أبواباً أخرى. فابتداءً من أواخر الستينات وخصوصاً مع مطلع سبعينات القرن العشرين لعبت أموال منظمة التحرير الفلسطينية والأموال المتدفقة من بعض الأنظمة العربية لتمويل منظمات مسلّحة وصحف موالية لها دوراً اساسياً في الإقتصاد وخصوصاً النظام المصرفي اللبناني. فالمصارف اللبنانية ورغم محاولتها ظاهريّاً التقيّد بالانظمة والممارسات المصرفية العالمية لم تكن عمليّاً لترفض دخول الرساميل والأموال مهما كان مصدرها إلّا في حالات محدودة جداً.

إنتهت الحرب اللبنانية على مزيج غريب من المال السياسي والمال غير الشرعي وأموال الميليشيات التي كانت بحاجة إلى «اعادة تدوير» وترافق ذلك مع الإنهيار النقدي الأول الذي كشف هشاشة الإقتصاد واعتماده الأساسي على تدفق الأموال من الخارج. لم تغيّر مرحلة ما بعد الطائف كثيراً في طبيعة النظام الإقتصادي إنما ابتدعت أبواباً جديدة للهدر وصناديق وصفقات لتوزيع المنافع على «ميليشيات السلم الأهلي» وهذا ما أسمته بعض الأطراف بالإقتصاد «الريعي» كما أن هذه المرحلة جعلت الإقتصاد اللبناني يدمن آفة جديدة وهي الإستدانة المفرطة بالليرة اولاً ثم بالعملات الأجنبية.

يتبع: إقتصاد الريع ودور المصارف

@JeanClaudeSaade

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.