قرد أوروبي قديم... أول كائن مشى على ساقَين؟

3 دقائق للقراءة

يوحي اكتشاف بقايا أحفورية عمرها 11.6 مليون سنة في أوروبا بأن أول القرود التي سارت بشكلٍ مستقيم لم تتطور في إفريقيا بل في أوروبا على الأرجح. تقول مادلين بوم من جامعة "توبنغن" في ألمانيا: "قد تُحدِث هذه النتائج ثورة حقيقية في نظرتنا إلى مسار التطور البشري".

اكتشفت بوم وزملاؤها البقايا الأحفورية في حفرة طين في بافاريا، جنوبي ألمانيا. يعود 37 جزءاً منها إلى أربعة أفراد: ذكر راشد، وكائنان راشدان من فئة الإناث، وكائن صغير واحد. سُمّيت الفصيلة الجديدة "دانوفيوس جوجينموسي" وتشير إلى قرد صغير يتراوح وزنه بين 17 و31 كلغ، وكان يأكل على الأرجح أغذية صلبة مثل المكسرات. لكن كان مفاجئاً أن تشبه ساقاه سيقان البشر. نحن نستطيع تمديد ركبتنا بالكامل، لذا تشكّل الساق ركيزة أساسية تحت جسمنا مباشرةً. في المقابل، يعجز القرد عن القيام بالمثل: حين يقف على ساقين، تبقى ركبتاه مُنحنيتَين. لكن تشير عظام الساق لدى قرد "دانوفيوس جوجينموسي" إلى قدرته على الوقوف مثل الإنسان. لذا افترض فريق بوم أن ذلك القرد كان يقف ويسير بشكلٍ مستقيم بين الأشجار، على عكس جميع القرود المعروفة.

إنها نتيجة صادمة لأن "دانوفيوس جوجينموسي" أقدم بكثير من أوائل الأجناس المعروفة من فصيلة أشباه البشر التي كانت تتنقل على قدمَين: "ساهلنثروبــــوس تشادنسيس" و"أورورين توغنينسيس". عاش هذان النوعان منذ 6 ملايين سنة تقريباً، وبالتالي توحي الفصيلة المُكتَشفة حديثاً بأن ظاهرة التنقل على القدمَين أقدم مما يظن العلماء بخمسة ملايين سنة.

كذلك، كانت جميع كائنات أشباه البشر المتنقلة على قدمَين إفريقية، وهذا ما أقنع العلماء بتطور تلك الظاهرة هناك. لكن يظن فريق بوم أن هذه السمة نشأت لدى القرود الأوروبية.

لطالما اعتبر زميلها ديفيد بيغن من جامعة "تورونتو" الكندية أن كائنات أشباه البشر تطورت في الأصل في أوروبا قبل أن تنتقل إلى إفريقيا، لكن لا تحظى هذه الفكرة بإجماع واسع لأن الأدلة لا تزال ناقصة. تظن بوم أن اكتشاف فصيلة "دانوفيوس جوجينموسي" يغيّر المفاهيم القائمة، لكن يشكك الكثيرون بهذه الفكرة حتى الآن.

تقول كيلسي بوغ من جامعة نيويورك: "لا تطرح البقايا الأحفورية الجديدة أدلة مقنعة حول ظاهرة التنقل على القدمَين. الورك والقدم عاملان أساسيان في هذا المجال، لكنهما ليسا جزءاً من تلك البقايا".

يعبّر آخرون عن آراء أكثر إيجابية. يوضح جون هوكس من جامعة "ويسكونسن ماديسون": "إنها نتيجة مثيرة للاهتمام. تبدو عظمة ساق قرد "دانوفيوس جوجينموسي" مشابهة لتلك التي يحملها أشباه البشر. لكني لستُ مقتنعاً بنشوء ظاهرة التنقل على القدمَين أو ظهور أشباه البشر في أوروبا. منذ 11 مليون سنة تقريباً، بدأت القرود تتوسّع وتزداد تنوعاً، وبالتالي لن يكون إيجاد بقايا أحفورية في مكان واحد دليلاً قاطعاً على نشوئها هناك". وحتى لو كانت فرضية نشوئها في أوروبا صحيحة، لا أحد يستطيع التشكيك بالأصل الافريقي لجنسنا البشري.