مايكل ج. مازار

ما وراء عظمة الدول... عوامل النجاح والانهيار

1 آب 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى تأجيج المنافسة الاستراتيجية التي ترسم اليوم معالم سياسة الأمن القومي في الولايات المتحدة. دعا عدد كبير من المسؤولين والمحللين الأميركيين واشنطن إلى تعزيز قدراتها العسكرية، وتقوية دفاعاتها، وزيادة استثماراتها في التقنيات الأساسية. برأي هذا المعسكر، يجب أن تستعد واشنطن لإثبات قوتها في مناسبات متكررة: قد يحصل ذلك عبر حروب بالوكالة أو تحديات أخرى تواجهها شبكة التحالفات والشراكات الأمنية الخاصة بالولايات المتحدة. وفق هذه النظرية، يتوقف النجاح في المنافسة بين القوى العظمى على تجميع الانتصارات ضمن سلسلة من المسابقات الفردية التي تهدف إلى إثبات التفوّق.

لكن تحمل الأحداث التاريخية دروساً مختلفة. لا تتفوق الدول في المنافسات المطولة عبر اكتساب أفضل القدرات التكنولوجية والعسكرية، أو عبر فرض إرادتها في جميع الأزمات أو الحروب. قد ترتكب القوى العظمى أخطاءً كثيرة، فتخسر الحروب والحلفاء أو تفقد تفوّقها العسكري أحياناً، ومع ذلك تُحقق الانتصار في المواجهات طويلة الأمد. في خضم الصراع على التفوّق بين القوى العالمية، لا تُحدِث القوة العسكرية أو الاقتصادية أكبر فرق بين مختلف الأطراف، بل نوعية المجتمع، أي خصائص البلد الإنتاجية والاقتصادية، والابتكار التكنولوجي، والتماسك الاجتماعي، والإرادة الوطنية.

تُعتبر نقاط القوة الداخلية ركائز أساسية للنفوذ الدولي. لكن لتحسين فرص نجاح البلد، يجب أن تدعم تلك العوامل بعضها البعض وتحافظ على توازنها. قد يؤدي أي طموح وطني مفرط إلى خطط متوسّعة، فتزيد المخاطر المطروحة على البلد الذي يبالغ في التزاماته. لكن تجازف الدول التي تتراجع فيها مظاهر الطموح والتنوع أو لا تبدي استعدادها للتعلم والتكيّف مع المستجدات بإطلاق دوامة سلبية قد تصل إلى حدود التراجع الوطني. اليوم تفتقر الولايات المتحدة إلى جزء كبير من المزايا التي ساهمت في صعودها خلال النصف الثاني من القرن العشرين. إذا أرادت أن تسترجع تفوّقها في هذه المنافسة وتفرض نفسها في المواجهات الراهنة مع الصين وروسيا، فيجب ألا تكتفي بالتفوق على خصومها في مجال الدفاع أو التقنيات العسكرية المتقدمة، بل يُفترض أن تكتسب الخصائص التي تجعل القوى العظمى حيوية ومبتكرة وقادرة على التكيّف مع الظروف المتبدلة.

قد تكون الروابط السببية بين الخصائص المؤثرة والنجاح في المنافسة متماسكة، لكنها تختلف من بلد إلى آخر. حتى أن عوامل أخرى قد تؤثر على فرص النجاح الوطني، منها الكوارث الطبيعية، والأوبئة، والموقع الجغرافي.

لكن تتعلق أول ميزة أساسية بالطموح الوطني. يؤكد هذا العامل خارجياً على أهمية المهام الوطنية وعظمتها والرغبة في التأثير على سياسة العالم، وينتج داخلياً نزعة وطنية إلى التعلّم وتحقيق الإنجازات والنجاح في جميع المجالات، بدءاً من الأبحاث العلمية وصولاً إلى قطاع العمل والصناعة والفنون.

على صعيد آخر، تميل المجتمعات التي تتمتع بقدرة تنافسية عالية إلى تقاسم الفرص على نطاق واسع مع مواطنيها. هي تقدّم لهم وسائل النجاح وتستثني فئات قليلة نسبياً من الأدوار المُنتِجة. مع مرور الوقت، أصبحت المجتمعات التي تحمل هذه الميزة شاملة على مستويات عدة، فهي تمنح الحقوق والفرص إلى جميع الفئات الاجتماعية وتعرض عليها مسارات واضحة لإحراز التقدم في قطاع الأعمال والإبداع.

لتحفيز القدرة التنافسية الوطنية، تتعلق ميزة أخرى بالهوية الوطنية المشتركة والمتماسكة. تبني أكثر المجتمعات تنافسية إنجازاتها على أساس هوية جماعية قوية. هذه الهوية المشتركة لا تساعد الدول على تجنب العوائق التنافسية للصراعات والانقسامات السياسية والعرقية فحسب، بل إنها تسمح لها أيضاً بحشد الدعم الشعبي اللازم للجهود التنافسية.

في الوقت نفسه، تستفيد المجتمعات الأكثر تنافسية من نسخة معينة من الدول الناشطة: إنها حكومة متماسكة وقوية وفاعلة ودقيقة الأهداف، وهي تستثمر مواردها في القدرات الوطنية والمزايا الاجتماعية المفيدة. تتخذ الدول الناشطة أشكالاً متنوعة في مختلف البلدان والعصور، لكنها تشمل بشكل عام مؤسسات مدعومة في القطاعَين العام والخاص، وهي جهات أساسية لتحقيق النجاح الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

صنّف خبراء الاقتصاد عشرات الطرق التي سمحت للدول الناشطة بتحريك النمو في البلدان المعاصرة. أثبتت ماريانا مازوكاتو مثلاً أن دعم الدولة أساسي لإحراز تقدّم كبير في مجالات مثل تكنولوجيا المعلومات والطاقة الخضراء وصناعة الأدوية. كذلك، تطوّر قطاع الإنترنت ونظام تحديد المواقع العالمي جزئياً بفضل برامج من إعداد وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعيــة الأميركية، وسـاهم الدعم الحكومي في ازدهار عشرات التقنيات الأخرى، بما في ذلك الطاقة النووية وأنظمة الطيران المتقدمة.

تتكل الدولة الناشطة في المقابل على خصائص أخرى في المجتمعات التنافسية: المؤسسات الاجتماعية الفاعلة. تنتج المؤسسات القوية والشاملة النمو الاقتصادي، وتعزز شرعية الدولة، وتتجاوب مع التحديات الاجتماعية، وتنتج قوة عسكرية جديرة بالثقة. في المملكة المتحدة مثلاً، ساهم البرلمان الوطني القائم منذ قرون والقطاع المالي المتين وسلاح البحرية القوي في رفع مستوى البلد على الصعيدَين الاقتصادي والجيوسياسي. في المقابل، كشف تراجع الاتحاد السوفياتي ثم انهياره في نهاية المطاف تداعيات فساد المؤسسات وقلة كفاءتها. لكن كما هو الوضع مع جميع الخصائص المرتبطة بالتفوق التنافسي، لن تكون المؤسسات الاجتماعية الفاعلة كافية لتفسير نجاح البلد أو فشله، بل يجب أن تترافق هذه الميزة مع مجموعة واسعة من القيم والعادات.

تتقاسم أكثر المجتمعات تنافسية ميزة أخرى، فهي تُركّز اجتماعياً على التعلّم والتكيّف مع الظروف، ما يعني أن الرغبة في الابتكار والاستكشاف والتعلم هي التي تحركها. بدل التمسك بالأفكار التقليدية، تبدي هذه الدول استعدادها للتأقلم مع التغيرات وخوض التجارب، وتبقى منفتحة على الابتكارات الجديدة في السياسة العامة، ونماذج العمل، والمفاهيم والعقائد العسكرية، والفن والثقافة. على مر التاريخ، ارتبط النجاح التنافسي دوماً بزيادة مستوى الفضول والالتزام بالتعلّم.

أخيراً، تحمل أفضل الدول الحيوية والتنافسية درجة معينة من التنوع والتعددية. تنتج الخبرات ووجهات النظر المتعددة أفكاراً ومهارات إضافية تضمن الحفاظ على القوة الوطنية. كذلك، تقوي التعددية المنظمات، بما في ذلك الشركات والفروع العسكرية، عبر إجبارها على مواكبة مسار المنافسة. يتخذ التنوع أشكالاً عدة: حتى الدول المتجانسة عرقياً، مثل المملكة المتحدة في العصر الفيكتوري أو اليابان المعاصرة، تستطيع أن تنتج تنوعاً سياسياً وتجارياً واسعاً لتقوية القدرة التنافسية الوطنية.

في غضون ذلك، ينذر التنوع المعاصر بشكلٍ محتمل من التفوق التنافسي أيضاً. لا تميـــــل المجتمعات المختلطة إلى تبنّــي الأفكار التقليدية المتحجرة التي تقمع المنافسة والابتكار، بل إن قدرتها على استيعاب الأجانب تُسهّل عليها جذب المهارات من الخارج. هذه المزايا كلها ساعدت عدداً كبيراً من القوى العظمى على التقدم والحفاظ على تفوّقها التنافسي، وتترسخ مساهماتها على مستوى الحيوية الوطنية بفضل كمّ هائل من الأبحاث التجريبية حول أثر التنوع في المنظمات.

بالعودة إلى الولايات المتحدة، أصبحت التحديات التي يواجهها هذا البلد اليوم واقعاً ملموساً. يجب ألا يبالغ أحد في تقدير التهديدات التي تطرحها الصين وروسيا، لكن يحمل البلدان أهدافاً معادية للمصالح والقيم الأميركية وللنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وحقق مصلحة الولايات المتحدة على أكمل وجه. لكنّ التوصيات الشائعة حول التحركات الأميركية الفاعلة (أي مضاعفة استثماراتها في القوة العسكرية وإطلاق حملة جديدة لاحتواء القوتَين الروسية والصينية) تبقى جزءاً بسيطاً من الحل. يسهل أن تعطي هذه الجهود نتائج عكسية إذا زادت أعباء الولايات المتحدة أو أنتجت أشكالاً جديدة من القمع المحلي. يتعلق أهم عامل بإطلاق جهود وطنية حثيثة لإعادة إحياء المزايا التي جعلت الولايات المتحدة أعظم قوة دافعة للدينامية التنافسية في التاريخ.

في العام 2005، أنهى المؤرخ كينيث بارليت سلسلة من المحاضرات حول النهضة الإيطالية بتأمّل حزين حول أسباب الركود والانحدار الوطني، فقال: "ذلك القرار المصيري أطفأ الشعلة الفكرية التي حققت التقدم اللافت سابقاً". برأي بارليت، انهارت "الأسطورة الحيوية التي رفعت مستوى القوة الذاتية وساعدت الإيطاليين على تحقيق إنجازات كبرى وتوسيع خبرتهم البشرية خلال مدة زمنية قصيرة". كان مصدر تلك العظمة أكثر أهمية من النمو الاقتصادي أو القوة العسكرية، وهو يتعلق بحيوية المجتمع. حين تبخرت هذه الحيوية فجأةً، باتت إيطاليا تفتقر إلى الطموح أو الالتزام بالتعلّم، وبدأت تخاف من خوض التجارب والابتكار، وسيطرت عليها النُخَب المنشغلة بترسيخ سلطتها وتحقيق المكاسب.

تواجه الولايات المتحدة خطراً مشابهاً اليوم. يشتق أخطر تهديد على حيوية البلد ومكانته التنافسية من الداخل، لا سيما التغيرات التي تصيب طبيعة المجتمع الأميركي. في المرحلة المقبلة، ستضطر الولايات المتحدة لإطلاق حقبة جديدة من المزايا التنافسية القادرة على إعادة إحياء المواصفات التي سهّلت صعود البلد في القرن الماضي وستضمن استمرارها في القرن المقبل. كما حصل في إيطاليا في نهاية عصر النهضة، لا تتعلق المسألة الأساسية بقدرة واشنطن على التعامل مع هذه الظروف، بل إنها مسألة إرادة: هل تملك الولايات المتحدة مخزوناً كافياً من التصميم الإبداعي، والتضامن الوطني، وقوة الإرادة السياسية، لمواجهة هذا التحدي الشائك؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.