كيف يتجدّد نشاط فيروس الهربس الخامد؟

4 دقائق للقراءة

ربما اكتشف الباحثون أخيراً أسباب تعطيل فيروس الهربس وتجدد نشاطه... يدوم فيروس الهربس البسيط طوال الحياة ولا يستطيع أي لقاح الوقاية منه، ولا ينجح أي علاج في القضاء عليه بالكامل.بنظر الأطباء، تتعلق أبرز مشكلة بوجود الهربس الخامد في الخلايا العصبية والعجز عن معالجته إلا خلال فترات غير متوقعة من نشاطه.

لكن، يظن باحثون من "معهد بايكر لصحة الحيوانات" في "إيثاكا" الآن أنهم اكتشفوا السبب الذي يسمح بتنشيط الجينات في فيروس الهربس البسيط. تبيّن أن الحمض النووي الفيروسي للهربس يتجاوز أحياناً الأغلفة البروتينية القامعة في الخلايا العصبية، فيُعاد تنشيطه.

يوضح المشرف الرئيس على ملخص الدراسة، لويس تشانغ: "تعجز مضادات الفيروسات عن مداواة العدوى ويستحيل حتى الآن تطوير لقاح فاعل بسبب طبيعة الهربس المتقلبة. لكن باتت الأبحاث المرتبطة بهذا الفيروس تُركّز اليوم على خلفية اختباء الفيروس وتجدد نشاطه".

قد تكون نتائج الباحثين أساسية لإجراء أبحاث أكثر فعالية عن فيروس الهربس البسيط وعلاجاته. نُشِر ملخّص عن استنتاجاتهم في مجلة "بلوس" لمسببات الأمراض.

تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى إصابة 3.7 مليارات شخص في عمر الخمسين بالنوع الأول من فيروس الهربس البسيط الذي يُسبب هربس الفم. كذلك، يصاب 417 مليون شخص، بين عمر 15 و49 عاماً، بالنوع الثاني من الفيروس المسؤول عن الهربس في المنطقة التناسلية.

قد لا يدرك المصابون بالفـيروس حقيقة وضعهم لأن هذه العدوى لا تترافق مع أي أعراض حين تكون خامدة. لكن يصبح الفيروس مُعدِياً بجميع أشكاله حين يتجدد نشاطه.ينتقل النوع الأول بشكلٍ أساسي نتيجة احتكاك الفم بالفم أو الفم بالأعضاء التناسلية، أو الاحتكاك بالبشرة المحيطة بالفم أو بالقروح أو اللعاب لدى شخص مصاب بعدوى ناشطة. أما النوع الثاني، فينتشر عبر الاحتكاك بين الأعضاء التناسلية.قد يُسبب الهربس، بشكله الناشط أو التحللي، تقرحات مؤلمة وبثوراً حول الفم والمنطقة التناسلية والشرج.

يقول تشانغ: "تشتق جميع مشاكل الهربس من تجدد نشاط الفيروس بعدما كان خامداً. يطرح اختباء الفيروس والتنظيم الجيني مشكلة كبرى لأننا لا نعرف معلومات كافية عنهما".

على صعيد آخر، قد تؤدي عدوى الهربس إلى حالات خطيرة أخرى، مثل التهاب القرنية في العين أو التهاب الدماغ، وتطرح خطورة على الحياة أيضاً حين يلتقطها مولود جديد. في ما يخص أصحاب المناعة الضعيفة، تصبح أعراض الهربس متكررة وأكثر خطورة.حللت أبحاث سابقة الآليات التي تسمح بتنشيط جينات الهربس الفردية وتعطيلها. لكن اكتشف فريق تشانغ أن المشكلة لا ترتبط بتلك الجينات على الأرجح، بل يصبح جينوم الهربس كله ناشطاً ويسمح بالتعبير عن الجينات الفردية. يكشف التقرير الجديد تفاصيل هذه العملية: يبلغ طول الحمض النووي داخل الخلية الواحدة حوالى متر، بينما يقتصر قطر الخلايا العصبية على 0.01 ملم.

أمام هجوم فيروس الهربس البسيط، تردّ الخلية العصبية بِلَفّ الحمض النووي الفيروسي حول بروتينات الهستونات الشبيهة بلفائف ضئيلة، ثم يوضع داخل ألياف الكروماتين.

هكذا يصبح الفيروس خامداً عند احتجازه في تلك الألياف. لكن تفشل الخلايا العصبية أحياناً في تغليف الحمض النووي الخاص بالهربس بقوة كافية، فيبقى جزء منه معرّضاً للتفاعلات الكيماوية الخلوية.

في هذه الحالة، قد يتجدد نشاط الحمض النووي، فتطلق الجينات الفردية للفيروس عدوى تحللية مسؤولة عن ظهور أعراض الهربس.

بفضل هذه الرؤية التي يطرحها تشانغ وزملاؤه، قد يتمكن الباحثون من استكشاف طريقة كبح عملية التغليف القوية وتوقيتها وسببها، ما يُمهّد لاكتشاف أحد أسرار هذه العدوى العنيدة.