جاد حداد

الذكاء الإصطناعي اكتشف فيزياء بديلة

6 آب 2022

02 : 00

اكتشف برنامج جديد من نوع الذكاء الاصطناعي، طوّره باحثون من جامعة كولومبيا، فيزياء بديلة خاصة به.

بعد عرض فيديوهات لظواهر فيزيائية على كوكب الأرض، لم يكتشف الذكاء الاصطناعي مجدداً المتغيرات التي نستعملها راهناً، بل إنه ابتكر متغيرات جديدة لتفسير ما يشاهده.

لا يعني ذلك أن الفيزياء التي نعرفها اليوم شائبة أو ثمة نموذج أفضل لتفسير العالم من حولنا (سبق وأثبتت قوانين أينشتاين قوتها الفائقة). لكن لم تظهر تلك القوانين إلا بفضل استنادها إلى "لغة" مبنية على نظريات ومبادئ رسّختها قرون طويلة من التقاليد.

إذا حصلنا على جدول زمني بديل حيث تعالج عقول أخرى المشاكل نفسها من وجهة نظر مختلفة بعض الشيء، هل سنتابع مقاربة الآليات التي تفسّر الكون بالطريقة نفسها؟

رغم ظهور تكنولوجيا جديدة لتصوير الثقوب السوداء ورصد عوالم غريبة وبعيدة، صمدت تلك القوانين مراراً وتكراراً (ملاحظة: ميكانيكا الكم مسألة مختلفة بالكامل. لنكتفِ بمناقشة العالم المرئي في هذه السطور).

اكتفى الذكاء الاصطناعي الجديد برؤية الفيديوات التي تعرض مجموعة صغيرة من الظواهر الفيزيائية، ما يعني أنه ليس مخوّلاً ابتكار فيزياء جديدة لتفسير الكون أو محاولة التفوّق على أينشتاين. كان هدف التجربة مختلفاً.

يقول عالِم الروبوتات، هود ليبسون، من "مختبر الآلات الإبداعية" في كولومبيا: "لطالما تساءلتُ: إذا قابلنا يوماً جنساً فضائياً ذكياً، هل سيكتشف القوانين الفيزيائية التي نعرفها أم أنه سيَصِف الكون بطريقة مختلفة؟ خلال التجارب، كان عدد المتغيرات مشابهاً عند إعادة تشغيل الذكاء الاصطناعي دوماً، لكن بدت متغيرات محددة مختلفة في كل مرة. بعبارة أخرى، ثمة طرق بديلة لوصف الكون وقد لا تكون خياراتنا مثالية".

على صعيد آخر، أراد الباحثون أن يعرفوا مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على إيجاد متغيرات مختلفة، ما يعني تسهيل شرح الظواهر الجديدة والمعقدة التي بدأت تظهر في سيل البيانات الراهنة لكننا لا نفهمها نظرياً حتى الآن لمواكبة تطورها.

تُلمِح البيانات الجديدة المشتقة من تجارب عملاقة، مثل "مصادم الهدرونات الكبير"، إلى ظهور فيزياء جديدة. في هذا السياق، يتساءل عالِم الرياضيات، تشانغ دو: "ما هي القوانين الأخرى التي نغفل عنها لمجرّد أننا نفتقر إلى المتغيرات اللازمة"؟

كيف يستطيع الذكاء الاصطناعي إذاً أن يكتشف فيزياء جديدة؟ في المقام الأول، أدخل الباحثون إلى النظام لقطات فيديو غير مُعدّلة عن ظواهر يفهمونها وطرحوا سؤالاً بسيطاً على البرنامج: ما هو الحد الأدنى من المتغيرات الأساسية التي نحتاج إليها لوصف ما يحصل؟

عرض الفيديو الأول بندولاً مزدوجاً متأرجحاً ومعروفاً باحتوائه على أربعة متغيرات حالة: زاوية كل بندول، وسرعة الزاوية الخاصة بكل واحد منهما.

فكّر الذكاء الاصطناعي بهذا المشهد والسؤال المرتبط به لبضع ساعات ثم أعطى الجواب التالي: هذه الظاهرة تتطلب 4.7 متغيرات لتفسيرها. إنه رقم قريب بما يكفي من المتغيرات الأربعة التي نعرفها، لكنه لا يفسّر رأي الذكاء الاصطناعي بتلك المتغيرات.

حاول الباحثون لاحقاً مطابقة المتغيرات المعروفة مع تلك التي اختارها الذكاء الاصطناعي. تَطابق اثنان منها مع زوايا الأذرع بدرجة معينة، لكن بقي المتغيران الآخران غامضَين. مع ذلك، تمكّن الذكاء الاصطناعي من طرح توقعات دقيقة حول خطوة النظام اللاحقة، فاستنتج العلماء حينها أن الذكاء الاصطناعي رصد ظاهرة لا يستوعبونها بعد.

يقول المشرف الرئيسي على التجربة، بويان تشين، وهو باحث في مجال البرمجيات وأستاذ مساعِد في جامعة "ديوك": "حاولنا أن نربط بين المتغيرات الأخرى وكل ما نستطيع التفكير به: سرعة الزوايا والخطوط، والطاقة الحركية والمحتملة، وتركيبات متنوعة من الكميات المعروفة. لكننا لم نتوصل إلى أي تطابق مثالي... نحن لا نفهم بعد اللغة الرياضية التي يتكلمها النظام". ثم عرض الباحثون الفيديوات الأخرى على الذكاء الاصطناعي. شمل الفيديو الأول ذراعاً متموجة و"راقصة في الهواء" (قال الذكاء الاصطناعي إنه يشمل ثمانية متغيرات). كذلك، أنتجت لقطات مصباح لافا ثمانة متغيرات، وعاد مقطع فيديو للنيران مع 24 متغيراً. كانت المتغيرات فريدة من نوعها في كل مرة.

يكتب الباحثون في تقريرهم: "يكتشف نظام الحلول الحسابية الخاص بنا البُعد الأساسي للديناميات المرصودة، من دون أن يعرف شيئاً عن المعطيات الفيزيائية الكامنة، وهو يُحدّد مجموعات مُرشّحة من متغيرات الحالة".

بعبارة أخرى، قد يساعدنا الذكاء الاصطناعي مستقبلاً على تحديد المتغيرات الكامنة وراء مفاهيم جديدة لا ندركها في الوقت الراهن.

نُشرت نتائج البحث في مجلة "علوم الطبيعة الحسابية".

يكفي أن نفتح أي كتاب فيزياء كي نجد فيه صِيَغاً متلاحقة لوصف طريقة تمايل الأجسام، وتحليقها، وانحرافها، وتوقفها. تَصِف هذه الصِيَغ العمليات التي نستطيع رؤيتها، لكن تكمن مجموعات متنوعة من العوامل التي يصعب رصدها فوراً وراء كل عملية منها.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.