هالة نهرا

كتاب الشاعر عباس بيضون "صور": طزاجةٌ ملحمية في طبق الدهشة

8 آب 2022

02 : 01

صدرت قصيدة الشاعر الكبير عباس بيضون "صور" في كتابٍ عن "دار النهضة العربية" (2022). لغة عباس الحداثية تشبه شخصيته من دون أن تتماهى كلياً معها، لغته ناشبة فيه ومندلعة في كيانه وقد عَمُقت آبارها. عباس مخضرمٌ في الأدب والإبداع وموهبةٌ شعرية شاهقة تسلّحت بالتمرّس والاختمار الطبيعيّ. مع ذلك، فإنّ لغته تُناوِلُنا اليوم طزاجةً وثّابة في طبق الدهشة، وفي لغته نتجرّعُ جماليةً مغايرة كأنه يستأثر بنباتها الغضّ غير المرئيّ في حوضٍ يباب، وبديمة هطلاء من تلألؤات أصابعه حين يكتب: "وعلى هذهِ الجُسور تتجعَّدُ أوراقُها السَّميكةُ، وتلتف على ضماداتها وعروقها المقطوعة، وأسمالها الحجرية الشهباء، فتبدو تحتَ قمرٍ لا تَراهُ وردةَ مَداخِن وَمعدن. تلتمّ على الآبارِ والشُّقوقِ والأقواس، وتتحرَّكُ كعينٍ ميتة وفوّهة مروَّسة، إذ ذاكَ، تهبط المدينةُ، فننتَعِلُ ظهرَها الأحدبَ بأقدام خفيفةٍ نحوَ ظهيرةٍ ضيّقة". لهذه اللغة قِمَمها حين تهبط إلى الأغوار وتعكسها. كم يبدو الشاعر عميقاً وشفيفاً حتى النخاع في البوح والإفضاء بالتعبير المائيّ الذي يشفّ عن انسلاله كالسحالي من شطآن البحر وانتسابه إلى معجمه في كلماته المفتاحية الدالّة والدلالية: "وكانتِ المياهُ تتناولُنا مِن عَلى صُخورنا ونحنُ نتعلَّمُ الكلمات والأفكار كل يوم. كنّا رمليّين حينَ أوَينا إلى الشُّطوطِ وترَكنا أنفسَنا لغاسِلي الرَّملِ، فَحَفّونا بالزّبد الّذي اختمرَ في نسيمِ اللّيلِ، وخَرَجنا مِنْ بُيُوضِنا تحتَ مَوجة". الحقل الدلاليّ واضحٌ بل جليٌّ هنا في تطابقه مع العنوان والثيمة. الشعر في الكتاب يناقض المفهوم التقليديّ الكلاسيكيّ والجامد للشعر. منسوب الشعريّة (Poétique) مرتفعٌ جداً في النصّ، والوصف يشي في مناحٍ منه بتولّهٍ ولحظاتِ ذهولٍ مثلما يوغل في الإيلاه بلا اصطناعٍ أو تفذلُك. لغة عباس تنصبّ دفقاً حدْسياً تلقائياً موائمةً بين المألوف المحبّب والجديد الجاذب الذي لا يعتُق ولا يتكبّد عناء القصد بهدف الاستمالة أو التأثير. لغته لا تتعمّد الإبهار صناعةً. في مقاطع محدّدة ثمّة ضربٌ من السحر الوامض في التلقّي، كأنه مطرٌ ناعمٌ خفيفٌ على القارئ في عزّ الصيف، وثمّة توازٍ وإلتقاءٌ بين الواقعيّ في المشهد وغرائب الخيال الذي يحثّك على السفر والتطوّف حوله. ثمّة أصواتٌ تسمعها في القراءة ولوحاتٌ متوالية بريشة رسّامٍ كأنها تتحرّك على شاشة سينما: "مرّت علينا ليلةٌ في مجرى العبيرِ البَحريّ، وليلة في ناحيةِ السَّروِ وأكوازِ الصَّنوبَر تحت أوراقِ الزَّعفرانِ حيثُ تمتدّ مَرَاعي البَحر، ثُم شَربنا مِنْ دَمِ كبدِ الفَجرِ، ودم ِقلبِ اللَّيل، فاعتكرتْ أعيُننا ونحنُ في نقيع ِالماءِ الأخضرِ وخَرَجْنا نلمعُ مِنْ بيضةِ فِصْح ِالبحر وفضَّة الأسْماكِ، ثمّ نجّمَ علينا الرَّملُ، وتَرَقْرَقَت جلودُنا كأوراقِ الذَّهب، فَبِتْنا تحتَ ماءِ أنفُسِنا كالرّمل المقيَّد. وفاضتْ أوراقنا فاكتسينا حراشفَ وصدفاً. ودخلْنا إلى حُضنِ البحرِ بين أبنائِهِ الكثيرينَ وبِتْنا يَخفِق تحتَ صرّةِ قلبِنا، وعلى بَراري سَهَرِنا، البحر" (صفحة 9).

في ثنايا الشعر ثمة تحليلٌ والتقاطٌ لحال وسايكولوجيا الناس والتبدّلات البيّنة المُرّة: "نعرف بين قليلينَ أنّ النَّاسَ لم يَتَغيَّروا لَكنَّهُم يبدّلون دفّةَ أحلامهم والليلُ لَيْسَ كافِياً، أنّ هذا الصباحَ المَرْجومَ كالوردَةِ النَاشِفَةِ ليسَ لَنا، والهواء الفُولاذي قاسٍ على البَصَرِ والشُّعاعِ، أنّ الأفواه محطّمةٌ على الوسائد، والقُبَلُ مقصوصةٌ من جذورها، والوجوه ملفوحةٌ بالبرق، أنّ الأعمار تتجمّد والناس يبيعون المستقبل بثمن الموتِ الهادئ على شرفة، وأنّ الكلام يحرّك النسيم تحت المائدة كموتٍ يستيقظ".

مخاطباً إيّاها بكلّ جوارحه كأنّما بُحّ صوت الشاعر حين ناداها: "يا صور... حينَ نَزَلْنَا إليكِ انتزَعَتِ مِنْ حَنَاجِرِنَا الوترَ الفلاّحيَّ، وها نحن بِالكَلِمَاتِ الّتِي تَعَلَّمْنَاهَا منكِ لا نستطيع أن نَصِفَكِ".

نصّ عباس بيضون كتبه سنة 1974، ثم أعادت "دار النهضة العربية" نشره حديثاً. الذي لم يقرأ هذه المعلومة لا ينتبه لِقِدَمه لأنه مفتوحٌ على أزمنة عدّة ومشرَّعٌ على امتدادٍ في الأفق نحو الغد. قد يُخيَّل إليك أنه لتوِّه كُتب لأنه نُشر عام 2022 ولأنّ لغته تَدِبُّ على الحاضر وفيه. كتابه ملحميٌّ يصلح للمَوْسَقة بل يستأهل التنغيم في إطارٍ أوركستراليّ سمفونيّ كلاسيكيّ معاصرٍ ضخم تُردّيه الأبعاد المشهدية أو في فضاءٍ أوبراليٍّ أو حديثٍ يترجمُ معانيه دِيَاسيميائياً (Diasémiotique).


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.