في الرابع من آب تحلّ الذكرى السادسة لتفجير مرفأ بيروت، حاملةً معها جرحًا وطنيًا وإنسانيًا لا يزال نازفًا. وفي اليوم نفسه تنطلق مفاوضات روما، وسط واقع ميداني وإنساني أليم يعيشه الجنوب. وفي كلا المسارين، تبرز الدولة بوصفها الرافعة الحقيقية والوحيدة لحماية المسار القضائي في ملف المرفأ حتى بلوغ خواتيمه، وقيادة المسار السياسي التفاوضي الهادف إلى بسط السيادة، وحصر السلاح، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
بعد ست سنوات على تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، تبدو قضية أكبر تفجير غير نووي أصاب مدينة مأهولة أقرب من أي وقت مضى إلى الانتقال من مرحلة التحقيق إلى مرحلة المحاكمة. لم يعد السؤال: أين أصبح التحقيق؟ بل: أين أصبحت المطالعة بالأساس؟
سقطت عمليًا كل محاولات الإيحاء بأن "صيغة الإطار" التي وُضعت في واشنطن مجرد ورقة قابلة للتجميد أو المساومة. فالدولة اللبنانية انتقلت من مرحلة تثبيت المبادئ إلى مرحلة التنفيذ ولو المتدرج، وما يجري التحضير له في روما ليس اجتماعًا روتينيًّا، بل أول اختبار عملي للمسار الذي اختاره رئيس الجمهورية جوزاف عون، رغم الاعتراضات الداخلية ومحاولات التشويش.
لم يكن استحضار رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون اسم رئيس مجلس النواب نبيه بري خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب زلّة في سياق الحديث، كما حاولت بعض القراءات المحلية أن توحي، بل جاء في سياق سياسي محسوب بعناية
بينما كان اللبنانيون ينظرون إلى ما يحدث فوق الأرض على مدى سنوات من أزمات سياسية مفتعلة وانهيار اقتصادي ممنهج وتعطيل لمؤسسات الدولة، كانت قصة أخرى تكتب في العمق. قصة لا ترى بالعين المجردة، بل تقاس بالأمتار تحت الصخور والجبال، حيث نشأت بنية عسكرية وأمنية متكاملة، حفرت بصمت على مدى أكثر من عقدين.
غاب عن الوثيقة أي دعم واضح للعهد والحكومة في مسار التفاوض المباشر، ولم يرد موضوع سلاح الميليشيا إلا من زاوية فضفاضة عنوانها "استراتيجية دفاع وطني".