بالنسبة إلى موظفي الإدارة العامة، لا تتوّقف المشكلة عند ضعف الرواتب، بل تتفاقم مع كل يوم عمل يتطلّب تنقّلا. فالموظف الذي يخرج من منزله ليؤمّن دخله، يجد نفسه مضطرًا إلى اقتطاع جزء متزايد منه قبل أن يبدأ يومه، فيما لا تزال كلفة النقل ترتفع بمعزل عن أي آلية واضحة تضمن التوازن بين أجور المواطنين وقدرتهم على تحمّل هذه النفقات.
لم يعد بعض أصحاب المولدات يكتفون ببيع الكهرباء، بل باتوا يفرضون على اللبنانيين كلفةً تتجاوز قدرتهم على الاحتمال، مستفيدين من عجز الدولة عن تأمين بديل. ومع نهاية آب، تحوّلت الفواتير إلى صدمة حقيقية: 300 و400 دولار، وصولا إلى 600 و700 دولار في بعض الحالات، فيما تتسع الفروقات بين مشترك وآخر من دون أن يجد المواطن تفسيرًا مقنعًا أو رقابة تضع حدًا لهذا الاستنزاف.
كان شائعًا القول: "خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود"، في تعبيرٍ يختصر أهمية الادخار كوسيلة لحماية الأسرة من الأزمات وتأمين مستقبلها. أما اليوم، فالوضع صعب، إذ باتت شريحة واسعة من اللبنانيين تواجه تحديًا متزايدًا في اقتطاع أي جزء من دخلها، بعدما تحوّلت الأولوية إلى تأمين الاحتياجات الأساسية ومواجهة كلفة المعيشة المرتفعة.
مع استمرار البحث عن صيغة متوازنة لمعالجة الفجوة المالية وإعادة الودائع إلى أصحابها، لا بدّ من تسليط الضوء على نقطة بارزة تشكّل محور نجاح قانون الانتظام المالي واستعادة أموال المودعين وهي القدرة على الالتزام في تسديد الأموال نقداً والبالغة 100 ألف دولار في فترة 4 سنوات.
سيستمع مجلس الوزراء إلى عرض وزير المالية ياسين جابر بشأن التقرير الذي أعدته وزارة المالية حول مشروع الموازنة العامة للعام 2027، وعرض وزارة الزراعة لتقرير حول واقع المزارع والمسالخ الواقعة ضمن حرم مطار بيروت الدولي، والبحث في 3 بنود عادية ومنتظمة وشؤون وظيفية.
مع تقديرات الأضرار المباشرة التي تلامس 1.3 مليار دولار، تبدو الكلفة الفعلية أوسع بكثير، بعدما أضيفت إليها خسائر الإنتاج والدخل وفرص العمل وتعطّل المؤسسات والمواسم الزراعية، في منطقة يشكّل اقتصادها المحلي ركيزة أساسية لمعيشة آلاف العائلات.
تزداد خطورة المرحلة المُقبلة مع استمرار الفجوة بين نمو الأسعار وارتفاع الأجور، إذ يجد اللبناني نفسه أمام سلة من الحاجات الأساسية التي لا يستطيع التخلي عنها، مهما ارتفعت كلفتها.
بعد بيانات 26 آب، لم يعد السؤال ما إذا كان وارش سيُبقي الفائدة مرتفعة، بل من يملك تسعير المال الأميركي: الفدرالي أم الخزانة أم سوق السندات؟