عيسى مخلوف

وجوهٌ عَبَرَت

13 آب 2022

02 : 00

اللوحة لأيتل عدنان

شاءت الصدف، لدى وصولي إلى باريس هرباً من الحرب الأهليّة ولمتابعة التحصيل العلمي، أن ألتقي عدداً من الشعراء اللبنانيين باللغة الفرنسيّة، من بينهم الراحلون جورج شحادة، صلاح ستيتيّة وإيتل عدنان. لكلّ من هذه الوجوه الثلاثة أسلوبه الخاصّ وموقعه في المشهد الشعري والثقافي الفرنسي. وإذا كان ثمّة جامع بين الشعراء الثلاثة فيتمثّل في لغتهم المسكونة بلغة أخرى، وثقافتهم التي تتحرّك بين ضفّتَين وتنفتح على الثقافات كلّها.

لم تتسنّ لي رؤية جورج شحادة في باريس إلاّ مرّات قليلة في السنوات الأخيرة من حياته. رأيتُ وجهه الناحل متأهّباً يتلفّت كالعصفور، وكنّا في المقهى الذي يرتاده في "سان جيرمان دو بريه". كانت الصورة التي تتكوّن في ذهني عنه مزيجاً من كتبه وممّا رواه لي أنسي الحاج. لقد شعرتُ في لقائنا الأول بأنّني ألتقيه لأودّعه. أليست الوجوه من طينة الغياب؟ رأيته ثانيةً في "المونبارناس" وأيضاً في "مركز جورج بومبيدو الثقافي" حيث تَسَلَّم "الجائزة الكبرى للفرنكوفونيّة" التي تمنحها "الأكاديميّة الفرنسيّة". ثمّ كان لقائي الطويل به، بعد رحيله، يوم انكببتُ على ترجمة مسرحيّته "مهاجر بريسبان" التي قدّمها نبيل الأظن ضمن فعاليات مهرجانات بعلبك، صيف 2004.

كشفَت لي تجربة الترجمة هذه كيف أنّ شحادة في كتابة المسرح، إنّما يكتب الشعر لكن بصيغة أخرى، وضمن الرؤية الشعريّة نفسها، حتّى حين يتحدّث عن سطوة المال وتأثيره في حياة البشر، كما الحال في هذه المسرحية التي يطالعنا فيها أيضاً بعض هواجسه المتعلّقة بالجمال والمرأة والوقت العابر. نسمعه يقول: "وحده الأبديُّ لونُ العصافير"، و"نداوي الكآبة بالأسرار". وأيضاً: "الذين يمضون لينسوا منازلهم/ لا نَشيد لهم/ وإنّما ندى البحر المُشتعل/ وإنّما الحزن الأبديّ للينابيع".

كأنّ الكآبة، هنا، هي الوجه الآخر للصفاء! فهي لا تعكس حسّاً مأسوياً أو نظرة عدميّة سوداء، كما الحال مع بعض مجايليه في القرن العشرين، ومنهم صمويل بيكيت وإيميل سيوران. الكآبة، في أعمال جورج شحادة، تلامس الأشياء والكائنات برفق. تنهمر بصمت وراء النوافذ وتصبح جزءاً من ذَهَب الأيقونات الساهي.

​من جهة أخرى، يأتي صلاح ستيتيّة: من الشعر المجرَّد ومن قراءات عميقة لشعراء أوروبيين ومنهم راينر ماريا ريلكه. في موازاة تجربته الشعريّة، خطَّ ستيتيّة طريقاً في عالم البحث وقدَّم إضاءات مهمّة على جوانب من الموروث العربي، فالتفت إلى بعض أعلام المتصوّفة كرابعة العدويّة والحلاّج وإلى شعراء كأبي نواس وبدر شاكر السيّاب، التفاته إلى شعراء فرنسيين من أمثال أرتور رامبو وإيف بونفوا. يقول ستيتيّة في إحدى قصائده: "أشعلتِ الشّمسُ منزلَ الشَّمس/ هدأت الموسيقى الفانية،/ طفلةُ الرّمادِ الجميلة، شوّهَتها نسمةٌ جميلةٌ ومُرحَّبٌ بها./ في اللّامُخَيِّلةِ ستنامُ الموسيقى مُحاطة بطبولِ العدَم./ منزلي من زجاج يحرسه عَندليبُ الصَّمت،/ الشيء الوحيد الأكيد".

​ولئن كانت فكرة الموت حاضرة في نتاج ستيتيّة، فهي في السنوات الأخيرة من حياته اتّخذت بُعداً آخر. لم يكن يمرّ أسبوع إلاّ ويحدّثني عن موته المُرتقَب. في أحد الأيّام، أخبرني أنّه ربحَ المعركة وتحقَّق حلمه في حيازة قبر في قريته الهادئة البعيدة عن باريس. يومئذ، قال صلاح بصوت واثق ومتماسك: "لم يكتفِ المجلس البلدي بإعطائي القبر، لكنه أعفاني أيضاً، وأعفى أسرتي، من دفع المال". وأضاف: "لقد منحوني قبراً يمكنني أن أظلّ فيه إلى الأبد". ووجدتُ نفسي أسأله: "هل يعطيكَ ذلك، فعلاً، إحساساً بالاطمئنان؟ فأجاب: "أيّ اطمئنان يا رجُل، وأنا سأكون، حيثما أكون، خارج الدنيا والآخرة، وخارج نفسي!".

​بخلاف صلاح ستيتيّة، قلّما كانت إيتل عدنان تذكر الموت في أحاديثها. لقد رحلت وهي في السادسة والتسعين من العمر وكانت تَعُبُّ الحياةَ عَبّاً، ولم يكن يتّسع لها وقت. لم تقطع إيتل حبل السرّة يوماً مع الطفولة، بما هي الزمن الذهبيّ للأسئلة والدهشة. تقرأ وتكتب وترسم وتسافر. تعرض أعمالها الفنّيّة في كبريات غاليريات العالم، وتقدّم أمسيات شعريّة، كما تشارك في لقاءات وندوات. كانت متصالحة مع حياتها وفكرة موتها. في إحدى قصائدها الأخيرة، وردت العبارة الآتية: "لا توجد الأشياء إلاّ لأنّها آيلة إلى الموت". تقول في السياق نفسه: "يوماً ما، لن تُشرقَ الشمس في موعدها، ولن يكونَ النهار. في غياب النهار، يغيب الليل أيضاً. هكذا يكتملُ الكَشْف".

​شاعرة وروائيّة وفنّانة تشكيليّة وناقدة، أمضت إيتل عدنان حياتها بين بيروت وباريس وكاليفورنيا، وعبّرت عن نفسها باللغتين الفرنسيّة والإنكليزيّة. من شرفة بيتها في سان فرنسيسكو، كانت تطلّ على جبل تمالباييس الذي أصبح رفيقاً لها، ويحضر بقوّة في نتاجها الأدبي والفنّي. لقد تماهت إيتل مع ذلك الجبل ومع البحار التي أحبّتها. ألم تقل: "تلك الجبال والبحار وجهيَ الآخر، الوجهُ الأكثر ثباتاً في الزمان"؟ هكذا كانت علاقتها بعناصر الطبيعة وبالوقت، وكذلك بالموت الذي عبّرت عنه في نصوص أخيرة جاءت مطابقة لنظرتها إلى كلّ ما حولها: "بعض الأشياء تموت قبلَنا./ قبل الحرب، كان ثمّة أثاث في المنازل./ كيف نُخاصمُ الأشجارَ المُعَمِّرة؟/ تتهامسُ أثناء تَعافيها في الربيع، في أسبوع الآلام هذا، في الجمعة العظيمة التي تخبرني بأنني لن أُبعَثَ، مثلها، من جديد".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.