بعدما أصدرت السلطات الانتقاليّة السودانيّة أمس الأوّل قانوناً ينصّ على حلّ حزب "المؤتمر الوطني" ومصادرة أمواله ومنع رموزه من ممارسة العمل السياسي لعشر سنوات على الأقلّ وتفكيك النظام الإسلامي الذي حكم البلاد طوال 30 عاماً، دان حزب الرئيس السوداني المعزول عمر البشير أمس القانون الذي أصدرته السلطات الانتقاليّة "غير الشرعيّة"، بحسب تعبيره.
وأوضح حزب "المؤتمر الوطني" في بيان مقتضب عبر صفحته على "فيسبوك" أنّ القانون الذي أصدرته السلطات الانتقاليّة يعني مصادرة أملاك الحزب وأمواله ووضعها في خزينة الحكومة، بعد أن عجزت الحكومة الحاليّة برئاسة عبدالله حمدوك عن حلّ الأزمة الاقتصاديّة، معتبراً هذه الخطوة دليل "فشل تام تُعاني منه الحكومة غير الشرعيّة"، وتابع: "نحن لا نعترف بالسلطة الحاليّة ولا يعنينا أي قانون أو أي قرار يصدر منها".وتمّ حلّ الحزب بموجب قانون أُقرّ خلال اجتماع مشترك لمجلس السيادة ومجلس الوزراء. وفي ظلّ عدم وجود برلمان انتقالي حتّى الآن، فإنّ اجتماع المجلسَيْن يقوم مقام المجلس التشريعي الذي يُصدر القوانين. وبحسب نصّ القانون، "يُحلّ الحزب وتنقضي تلقائيّاً شخصيّته الاعتباريّة ويُحذف من سجلّ الأحزاب والتنظيمات السياسيّة في السودان". كما ينصّ القانون على "مصادرة ممتلكات وأصول الحزب لصالح حكومة السودان، طبقاً لما تُقرّره اللجنة"، التي نصّ القانون على تشكيلها لهذا الغرض.
ومن مهام اللجنة أيضاً، إعادة النظر بكلّ التعيينات التي تمّت في عهد البشير في إدارات عامة أو خاصة، لم تستند إلى معيار الكفاءة بل كان دافعها الولاء الحزبي أو السياسي أو القرابة العائلية، وهو ما اصطلح على تسميته سياسة "التمكين" التي انتهجها الإسلاميّون عقب تسلّم البشير السلطة، لأنّ هدفها كان تمكين أنصارهم من مفاصل السياسة والاقتصاد والمجتمع في البلاد.
من جهته، قال رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك في تغريدة على "تويتر"، إنّ "قانون تفكيك النظام البائد وإزالة التمكين ليس قانوناً للانتقام، بل يرمي إلى استرداد الثروات المنهوبة من خيرات الشعب". كذلك، سارع "تجمّع المهنيين السودانيين"، رأس حربة الحركة الاحتجاجيّة ضدّ البشير، إلى الترحيب بإقرار القانون، معتبراً إيّاه "خطوة جبّارة في طريق تحقيق أهداف الثورة، وخطوة مهمّة في طريق بناء الدولة المدنيّة الديموقراطيّة".
ويتضمّن القانون الذي أقرّ كذلك، مادّة باسم "العزل السياسي"، تنصّ على أنّه "لا يجوز لأيّ من رموز نظام الإنقاذ أو الحزب ممارسة العمل السياسي لمدّة لا تقلّ عن عشر سنوات". وتعليقاً على القانون، حذّر الداعية الإسلامي المتشدّد محمد علي الجزولي في خطبة الجمعة في الخرطوم، من انجرار البلاد إلى "حرب أهليّة"، معتبراً أنّ حلّ الحزب يصبّ في إطار مشروع يرمي إلى "إقصاء الإسلام من كلّ جوانب الدولة" و"تمزيق البلاد إلى دول".
وعقب الصلاة، أوضح الجزولي لوكالة "فرانس برس" أنّ "القرار الجائر التعسّفي الاستبدادي الذي قضى بحلّ حزب المؤتمر الوطني، هو جزء من مشروع إقليمي هدفه استئصال الإسلام السياسي من المنطقة". لكنّ الداعية الأصولي أكّد أنّ الحركة الإسلاميّة في السودان لن تتوسّل العنف للتصدّي لهذا المشروع، وقال: "سنستخدم كافة الوسائل السلميّة من الاعتصامات والعصيان والتظاهر والخروج إلى الشارع". توازياً، وخلال اجتماعه الذي استمرّ ساعات عدّة، أقرّ المجلس المشترك قانوناً آخر ألغى بموجبه "قانون النظام العام" المثير للجدل، ملبّياً بذلك أحد المطالب الأساسيّة للمنظّمات الحقوقيّة والنسويّة التي كانت ترى في هذا القانون انتهاكاً لحقوق المرأة وإذلالاً لها، إذ في فترة حكم البشير، تعرّضت النساء خصوصاً للعنف بسبب "قانون النظام العام" المطبّق منذ 1996، والذي يُقيّد الحرّيات العامة والفرديّة وينصّ على عقوبات مشدّدة مثل الجلد والسجن لفترات تصل إلى خمس سنوات وغرامات ماليّة كبيرة.
وفي هذا الشأن، قال حمدوك: "أبعث بتحيّة فخر وإعتزاز لنساء وشابات وشباب بلادي الذين تحمَّلوا فظائع تطبيق هذه القوانين عليهم"، فيما رأت "منظّمة العفو الدوليّة" أنّ إلغاء قانون النظام العام "خطوة كبيرة إلى الأمام بالنسبة إلى حقوق المرأة في السودان"، أضافت في بيان: "على الحكومة الانتقاليّة الآن أن تضمن إلغاء قانون النظام العام القمعي برمّته".ووفق منظّمات حقوقيّة، فقد استخدم نظام البشير قانون النظام العام سلاحاً ضدّ المرأة خصوصاً، إذ كانت قوّات الأمن تعتقل النساء لأسباب مثل حضور حفلات خاصّة أو ارتدائهن سراويل. وكان البشير قد أقرّ في خضمّ التظاهرات التي اندلعت ضدّ نظامه البائد، بأنّ "الذين خرجوا إلى الشوارع شباب، وغالبيّتهم فتيات"، وبأنّ قانون النظام العام هو "واحد من أسباب تفجّر غضب الشباب".