وليد شقير

الإحتقان المسيحي قبل المهلة وبعدها

4 دقائق للقراءة

يقول أحد السياسيين المسيحيين إنه لو كان رئيس الجمهورية غير العماد ميشال عون، لكان المسيحيون قبلوا بأن يبقى في قصر بعبدا بعد31 تشرين الأول المقبل إذا تعذر انتخاب الرئيس الجديد وبقيت حكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي، لأن التوجه العام عند القوى السياسية المسيحية هو عدم الاقتناع بأن تتولى حكومة مستقيلة صلاحيات الرئاسة الأولى.

بل إن معظم القوى السياسية يرى أنه لا يجوز بقاء الرئاسة شاغرة والطامة الكبرى بالنسبة إلى المراجع المسيحية باتت في استسهال إحداث الفراغ الرئاسي كل مرة، كما كان يحصل على مدى الدورات الانتخابية الرئاسية الثلاث الماضية. والرئيس عون ساهم في التسبب بالفراغ ثم بما آلت إليه البلاد.

يسود شعور لدى هذه المراجع وبعض القوى المسيحية بأنه يجري تحوير المشكلة في السجال الدائر حول صلاحيات الحكومة وتولّي سلطات الرئيس، بدلاً من أن يكون التركيز على انتخابه وفقاً للمهلة التي ينصّ عليها الدستور. لكن القوى السياسية المسيحية تتوزع الموقف بين جهات تعتبر «حزب الله» وهيمنته على القرار السياسي اللبناني سبب هذا الانتقاص من موقع الرئاسة الأولى، وبين جهات سياسية تلصق تهمة التسبب بالفراغ برئاسة الحكومة وبعدم اكتراث القوى السياسية الشيعية عموماً، بحصول فراغ في الموقع المسيحي الأول في الدولة.

واقع الحال أن القوى السياسية الرئيسية أخذت تتحدث عن احتمال الفراغ الرئاسي وضرورة الاحتياط له بحكومة مكتملة الصلاحيات منذ أشهر، وتصاعد هذا الحديث تدريجياً بعد الانتهاء من استحقاق الانتخابات النيابية، كأن تعذّر انتخاب الرئيس الجديد أمر مفروغ منه، وعلى القوى السياسية أن تتحضّر له، فيما البطريركية المارونية وكذلك مواقف الدول الكبرى المعنية بالأزمة اللبنانية تصرّ على الاستحقاق الرئاسي وفق موعده الدستوري. حتّى أن البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي دعا إلى انتخاب مبكر للرئيس، قبل أشهر من انتهاء ولاية الرئيس عون، من أجل وضع البلد على سكة الحلول بظهور هوية هذا الرئيس، واستباقاً لاحتمال الفراغ.

لكن أكثر من سلّط الأضواء على أرجحية الفراغ الرئاسي في الأسابيع القليلة الماضية كان رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، والأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصر الله، من باب إلحاحهما على ضرورة تشكيل الحكومة كي تكون قادرة على إدارة الشغور الرئاسي، مقابل تشديد قوى أخرى مسيحية وإسلامية متخاصمة مع تحالف «التيار الوطني الحر» والحزب، على أولوية انتخاب رئيس الجمهورية، جرّاء اقتناعها باستحالة تشكيل حكومة جديدة تعكس بدء العد العكسي لإنهاء مفاعيل نفوذ الحزب على الرئاسة الأولى كما ترجمته السنوات الست الماضية.

على بعد ستة أيام من بدء مهلة الشهرين الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية، ومع انتهاء اجتماع أول من أمس بين الرئيسين عون وميقاتي إلى الفشل في الاتفاق على حكومة، هل يسمح الدخول في هذه المهلة أن تتألف حكومة تصوغ بيانها الوزاري، وتطرحه على البرلمان لنيل الثقة على أساسه، في وقت سيركز الفرقاء الذين يرفضون الفراغ الرئاسي على مطالبة الرئيس نبيه بري بالدعوة إلى جلسة الانتخاب؟

إذا دعا بري إلى جلسة انتخاب من دون تأمين نصاب الثلثين لغياب اتفاق بين الكتل الرئيسة على اسم المرشح الذي ستعمل لإيصاله، سيتحوّل البرلمان إلى هيئة ناخبة يتعذر عليها القيام بأي أمر آخر بما فيه التشريع. لكن بري سبق أن أعلن أنه سيدعو إلى جلسة تشريعية من أجل إقرار الموازنة وما تبقّى من قوانين يلحّ عليها صندوق النقد الدولي، بحيث يترك الدعوة إلى جلسة انتخاب الرئيس إلى ما بعد الجلسة التشريعية. لا يريد برّي أن «يزركني أحد» في ما خصّ الدعوة إلى جلسة لانتخاب الرئيس، مصرّاً على إنجاز القوانين المطلوبة على رغم استمرار الخلافات بين الكتل النيابية. وهو دعا إلى جلسة للجان النيابية المشتركة الثلاثاء من أجل دراسة مشروع قانون الكابيتال كونترول.

إذا تقدّمت أولوية التشريع على أولوية انتخاب الرئيس فهل تكون فسحة الوقت التي سيستغرقها إقرار القوانين، فرصة لتظهير الاستحقاق الرئاسي؟ يصعب في هذه الحال أن يعود إلحاح تأليف حكومة إلى الواجهة قبل 31 تشرين الأول. لكن فسحة الوقت هذه ستزيد احتقان الموقف المسيحي الرافض تولي حكومة تصريف الأعمال صلاحيات الرئاسة وسيجدها البعض مبرراً لمواقف متطرفة وتقسيمية بعد انتهاء الولاية.