ليس أخطر من البؤس المالي والإقتصادي الذي يضربنا سوى البؤس السياسي. وقمة البؤس السياسي شراء الوقت في مأزق واستمرار اللعب بلا أوراق ولا طاولة. فالتأخر في التكليف والتأليف سياسة بالخيار لا بالإضطرار. والمنطق هو التسريع لتجنيب البلاد مشقة أزمة شهور من التعثر الذي صار من تقاليد تأليف الحكومات. وأبسط ما ينطبق على أداء أهل السلطة هو المثل اللاتيني القائل: "متأخر ولكن بجدية".
والسؤال البسيط هو: أية حكومة يمكن أن تولد على أيدي مراكز القوى المشكو منها والتي لا تزال تحكمنا وتتحكم بنا منذ ثمانينات القرن الماضي؟ وإلى أي حدّ يمكن تجاهل حدث كبير جداً، وتجهيل الفاعل في واقع خطير جداً؟ الأول هو الثورة الشعبية السلمية التي يراد التصرف حيالها كأنها حادث عابر أو كأن هناك قدرة على وضعها "بين قوسين" والعودة إلى الشغل كالمعتاد بعدها كما كان قبلها. والثاني هو الأزمة المالية والنقدية والإقتصادية التي يراد لها أن تبدو كأنها كارثة من صنع الطبيعة. فلا أحد يتحمل المسؤولية عن السياسة السيئة التي قادت إليها. ولا شيء عن الممارسة السلطوية التي جعلت خسائر الناس في الأزمة أرباحاً صنعت أثرياء وزادت ثراء أثرياء من الأوليغارشية المالية والنافذين في السلطة.
لسان حال الشعب الذي يتنمر عليه سارقو بلده، وما يطلبه الثوار الذين يصرون على محاسبة السارقين هو حكومة إنقاذ لإخراجنا من المأزق. وما يدور الشغل عليه هو حكومة "إنقاذ" لمصالح مراكز القوى وضمان الحصص لهم، ولو كان الثمن إغراق لبنان. فمن يصر على حكومة تشبه الحكومة التي سقطت في الشارع، يتوهم أنه يستطيع تجاوز الوزن الجديد للثورة والحفاظ على توازن القوى الذي جاءت به الإنتخابات على أساس قانون هجين، ولكن مع وصول البلد إلى حال إنعدام الوزن. ومن يشترط تلك الحكومة أو تصريف الأعمال لوقت طويل، بمعنى لا حكومة، يعرف أن المعنى البسيط لذلك هو "تصريف الإنهيار".
واللعب على المكشوف. مطلوب رئيس لحكومة الثورة المضادة. تركيب رأس على جسد لحكومة يتولى الأقوياء تحضير طبختها. وهذه وصفة لصدام في الداخل وعزلة في الخارج وصدمة سلبية للمؤسسات المالية الدولية والدول المانحة التي لا إنقاذ من دون مساعداتها.
يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتاب "طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد" أن "السياسة هي إدارة الشؤون العامة بمقتضى الحكمة، والإستبداد هو التصرف في الشؤون العامة بمقتضى الهوى". وما أكثر الهوى في السلطة تحت عنوان السياسة.