لم يعد ممكنًا التعامل مع ما يجري في لبنان على أنه مجرد مواجهة عسكرية على الحدود الجنوبية. ما يحدث اليوم هو تحوّل لبنان، شعبًا ودولة ومؤسسات، إلى ساحة حرب في صراع إقليمي تقوده إيران.
الوقائع على الأرض واضحة. فمنذ بداية الحرب سقط في لبنان أكثر من 634 قتيلًا، ونزح أكثر من 800 ألف شخص من منازلهم. قرى كاملة في الجنوب أُفرغت من سكانها ودمرت، ومدن لبنانية تحولت إلى مناطق نزوح طارئة، والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع يتعرّضان لدمار واسع. وفي الوقت نفسه تُطرح مطالبات بأن تتحمل الدولة اللبنانية كلفة إدارة هذه الكارثة: إيواء النازحين، تعويض الأضرار، ومحاولة إنقاذ اقتصاد منهك أصلًا يتعرض لمأساة حرب لم يكن له قرار بها.
فلبنان اليوم يُستَخدم كساحة في مشروع إقليمي أوسع. فـ "حزب الله"، الذي نشأ أساسًا برعاية الحرس الثوري الإيراني، لم يُخفِ يومًا طبيعة علاقته بطهران. قيادته أعلنت مرارًا أن التمويل والسلاح والقرار الاستراتيجي تأتي من إيران. وهذا يعني أن قرار الحرب الذي يدمّر لبنان ليس قرار الدولة اللبنانية ولا إرادة شعبها، بل جزء من خطوط دفاع أمامية لإيران.
المسألة في جوهرها ليست مجرد تنظيم إيراني مسلح. نحن أمام عقيدة كاملة من الإسلام الجهادي العابر للدول، بنسخته الشيعية، تقوم على تحويل الدول إلى ساحات قتال لخدمة مشروع أيديولوجي يتجاوز حدودها. إيران تبنت هذه العقيدة عبر الحرس الثوري، وأنشأت شبكة ميليشيات تمتد من لبنان إلى العراق وغزة واليمن. في هذه الشبكة، لا قيمة للدول ولا لسيادتها؛ كل ما يهم هو إبقاء جبهات مفتوحة لخدمة مشروع "الثورة". وهكذا يصبح لبنان مجرد جبهة ضمن هذا المشروع.
اما الأمر الأخطر فهو أن هذه الحروب تُخاض على حساب المجتمعات نفسها. فالسلاح لا يُخزن بعيدًا من الناس، بل بينهم. الصواريخ تُخبَّأ داخل القرى، ومنصات الإطلاق تُقام قرب البيوت والمدارس، والمخازن تُخفى في الأحياء السكنية. وبهذه الطريقة يتحول المدنيون اللبنانيون عمليًا إلى "دروع بشرية" قسرية لحماية بنية عسكرية إيرانية.
ومصطلح "الدروع البشرية" هو مصطلح عسكري قانوني يعني استخدام مجموعة من الناس، مدنيين أو عسكريين، بهدف حماية منشآت حساسة في وقت الحرب، مثل المراكز العسكرية أو المنشآت الاستراتيجية أو الجسور أو السدود، وذلك عبر نشرهم حولها لوضع العدو أمام حرج أخلاقي يمنعه من استهداف المنشآت المراد حمايتها.
حتى القوات الدولية العاملة في الجنوب لم تسلم من هذا الواقع. فقد أعلنت قوات "اليونيفيل" أن مواقعها تعرّضت لإطلاق نار في ثلاثة حوادث منفصلة يُرجَّح أن تكون من قبل مجموعات مسلحة غير تابعة للدولة اللبنانية. وهذا بحد ذاته مؤشر خطير على حجم الفوضى الأمنية الناتجة عن وجود قوة مسلحة تعمل خارج إطار الدولة.
لهذا السبب، فإن النقاش الحقيقي اليوم ليس حول هذه الحرب ونتائجها، بل حول سؤال سيادي أساسي: من يقرر إنهاء الحرب وحماية ما تبقى من لبنان؟ فلبنان لم يعد فقط ضحية الحرب، بل أصبح أداة فيها.
الدستور واضح: قرار الحرب والسلم هو من صلاحيات الدولة وحدها. ولهذا السبب اتخذت الحكومة اللبنانية قرارًا باعتبار النشاطات العسكرية والأمنية لـ "حزب الله" مخالفة للقانون، في محاولة لإعادة التأكيد على مبدأ بديهي في أي دولة: احتكار الدولة للسلاح وقرار استخدامه.
لكن صدور القرار لا يكفي. قيمة أي قرار سيادي تقاس بقدرته على التنفيذ.
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسة العسكرية اللبنانية. فالجيش اللبناني هو المؤسسة الوطنية التي يفترض أن تطبق قرارات الدولة وتحمي سيادتها. وتنفيذ قرار الحكومة ليس خيارًا سياسيًا، بل واجب دستوري. فالدولة التي لا تستطيع فرض سلطتها على كامل أراضيها تفقد مبرر وجودها كسلطة.
لبنان ليس ساحة إيرانية. لبنان دولة لها شعب ومؤسسات واقتصاد بالكاد يحاول النهوض من أزماته. تحويله إلى منصة عسكرية في صراع إقليمي ليس مجرد تهديد لأمن اللبنانيين، بل هو اعتداء مباشر على سيادة الدولة وحق شعبها في تقرير مصيره. والاستمرار في استخدام اللبنانيين "دروعًا بشرية" في حروب لا قرار لهم فيها لم يعد مسألة خلاف سياسي، بل جريمة سياسية وأخلاقية تدفع البلاد نحو الانهيار الكامل. الخيار بات واضحًا: إما سلطة جدية ومؤسسات فاعلة وقرار على قدر اللحظة التاريخية، وإما ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين. ولا يمكن للبنان أن يكون الاثنين معًا.