تكشف دراسة جديدة أن الجسم قد يتمكن من هزم فيروس الإنفلونزا عند تبني الحمية الغذائية المناسبة، لا سيما الحمية الكيتونية.
يكون هذا الفيروس مسؤولاً عن حالات وفاة كثيرة سنوياً. ساهم استعمال لقاح الإنفلونزا في تحسين معدلات العدوى وعدد الإصابات بدرجة كبيرة، لكن ما من علاج نهائي للمرض حتى الآن. يتابع أطباء الصحة العامة والعلماء معاً البحث عن علاجات جديدة لمحاربة الإنفلونزا، لكن ربما يكمن الحل داخل جهاز المناعة في الجسم. حتى أن الحمية الكيتونية قد تُنشّطه. تقضي هذه الحمية بتناول أغذية غنية بالدهون وقليلة الكربوهيدرات. تتألف وجبات الطعام عموماً من مجموعة متنوعة من اللحوم، والأسماك، والدواجن، والخضروات غير النشوية.
نُشرت نتائج الدراسة الجديدة في مجلة "المناعة العلمية"، وكشفت أن معدلات نجاة الفئران التي تلقّت الحمية الكيتونية بعد حقنها بفيروس الإنفلونزا كانت أعلى بكثير من المعدل المسجّل في المجموعة التي تلقّت حمية غنية بالكربوهيدرات. يتعلق السبب الأساسي برأي الباحثين بقدرة الحمية الكيتونيـة على إعاقة نشوء الجسيمات الالتهابية: إنها مركّبات بروتينية متعددة الوحدات ويتولى جهاز المناعة تنشيطها.
كذلك، تدفع تلك الجسيمات المناعة إلى إطلاق استجابات ضارة في الجسم المضيف، ما يؤدي إلى إفراز الخلايا التائية غاما دلتا. تنتج هذه الخلايا المخاط في بطانات الرئتين، ما يساعد الجسم على التخلص من العناصر المُعدية. ثم يتّجه المخاط نحو المسالك الهوائية ويخرجه الجسم عن طريق السعال.
جرت الدراسة تحت إشراف الباحثتَين أكيكو إيواساكي وفيشوا ديب ديكسيت، من قسم علم المناعة الحيوي في كلية الطب التابعة لجامعة "يال"، "نيوهافن". كان البحث يهدف إلى استكشاف طريقة تأثير الحمية الكيتونية على دفاعات الجسم المضيف في وجه فيروس الإنفلونزا القاتل.
وزع الباحثون الفئران عشوائياً على مجموعات غذائية قبل أسبوع من حقنها بالعدوى. ثم راقبوها بحثاً عن مؤشرات عن الفيروس وقيّموا استجاباتها المناعية. فاكتشفوا أن الحمية الكيتونية تحمي الفئران من فيروس الإنفلونزا من خلال زيادة عدد الخلايا التائية غاما دلتا في المسالك الهوائية.
نشأت الاستجابة في مرحلة متأخرة نسبياً بعد حقن الفئران بالعدوى، نظراً إلى اعتيادها على مستقبلات الخلايا التائية في خلايا أخرى. لكن تكون هذه الاستجابة أسرع بكثير لدى البشر لأن تلك الخلايا التائية تستطيع التوسّع وحدها.
كذلك، كشــف بحـــث سابق علـــى الفئران أن مجموعــــة فرعية محددة مـن الخلايا التائـية غاما دلتـا تستطيـع إطلاق عملية الانحلال الخلوي في الخلايـا المصابة بعدوى الإنفلونزا في المسالك الهوائية.
في الدراسة الأخيرة، أدى توسع الخلايا التائية غاما دلتا إلى تراجع قياسات العيار الفيروسي لدى الفئران التي تلقّت الحمية الكيتونية.حلل العلماء أيضاً احتمال حصول تغيرات في مستويات النشاط الجيني عن طريق تجزئة الحمض النووي الريبي (تقيس هذه التقنية مستويات النسخ في أنحاء الجينوم).
صحيح أن الحمية الكيتونية قد تؤثر على توسّع الخلايا التائية، لكن أثبت التحليل أن هذه العملية لا تتعلق بأي تغيرات في نشاط الجينات المرتبطة بِسُمّية الخلايا. وحين نشأت الفئران من دون الجينة التي تُشفّر الخلايا التائية غاما دلتا، كان لافتاً ألا تضمن الحمية الكيتونية أي حماية ضد فيروس الإنفلونزا.تعليقاً على هذه النتيجة، تقول إيواساكي: "كان هذا الاستنتاج غير متوقع بأي شكل"! وتضيف ديب ديكسيت: "تثبت هذه الدراسة أن طريقة الجسم في حرق الدهون وإنتاج الأجسام الكيتونية انطلاقاً من الطعام الذي نأكله قد تدفع جهاز المناعة إلى محاربة الإنفلونزا".كيف تحمي الخلايا التائية غاما دلتا الجسم المضيف عند تبني الحمية الكيتونية إذاً؟ وفق نظرية الباحثين، يؤدي توسع تلك الخلايا نتيجة الحمية الكيتونية إلى القضاء على الإنفلونزا بفاعلية مضاعفة، ما يعني تراجع العيار الفيروسي بدرجة إضافية وتحسين طريقة الحفاظ على الخلايا التي تَحِدّ المسالك الهوائية. يظن الخبراء أن الخلايا التائية غاما دلتا المشتقة من الحمية الكيتونية قد تعزز الحواجز وتقوي أجهزة الدفاع الفطرية في الخلايا التي تَحِدّ المسالك الهوائية، ما يسمح بتحسين الاستجابة تجاه الإنفلونزا.
لمحاربة هذا الفيروس، تكشف أحدث النتائج إذاً أن الحل لا يكمن بالضرورة في إنتاج أدوية لتخفيف أعراض الإنفلونزا، بل إن تغيير الحمية قد يؤثر بطريقة جذرية على تجاوب الجسم مع العدوى. وإذا كان استهداف الإنفلونزا بهذه الطريقة ممكناً، قد يسمح تغيير الحمية للجسم بمحاربة أي عدوى فيروسية أخرى بفاعلية.
لا يزال هذا النوع من الأبحاث في بدايته، ولا بد من إجراء المزيد لتوضيح تفاصيل ما تفعله الحمية الكيتونية لمحاربة الإنفلونزا.