جان كلود سعادة

سقوط البهلوان على الجمهور

4 دقائق للقراءة

كان كلّ شيء مُهَيَّئاً لكي تكون المصارف اللبنانية القطاع المصرفي الرائد في المنطقة، فقد ساعدت الظروف السياسية والإجتماعية والإقتصادية وكذلك القوانين اللبنانية على تجمُّع الرساميل والخُبرات المصرفية في لبنان منذ منتصف القرن الماضي. وكان بإمكان هذا القطاع أن يتجاوز محدودية السوق المحلّية بالتوسّع عمودياً وأفقيّاً من حيث تطوير الخدمات الإضافية والمتخصصة وكذلك التمدد جغرافياً في المنطقة والعالم. ولكنّه أصيب "بالمرض اللبناني" على مرحلتين فبالغ بمزج السياسة بالمال والأعمال فأصبح إمتلاك مصرف أو الشراكة في رخصة مصرف من ضرورات الإرتقاء والنجاح. أمّا بعد الطائف فأضيفت خطيئة الربط العضوي للقطاع بمالية الدولة إن من حيث الإستفادة من سياسة الإستدانة المفرطة في البداية وصولاً إلى الغرق في رمال "البونزي الكبير" المتحركة.

أما السمة الغالبة على القطاع في كل هذه المراحل فكانت إتقان البهلوانيّات إلى أن أتاه حاكم بنك مركزي مولع بألعاب السيرك النقدي والمالي. فبعد ثلاثة عقود من القفز فوق قواعد العمل المصرفي المتعارف عليها عالمياً والربط الكامل بمالية الدولة وقع القطاع في المحظور وأوقع معه البلد والإقتصاد والناس.

زبائن بالإكراه

بعد ثلاث سنوات من انكشاف الأزمة وبدء إدارة الإنهيار المتعمّد ما زالت ‏المصارف اللبنانية تعيش في عالم الوهم وتعتاش على عمولات وأرباح تجنيها من "‎زبائن بالإكراه" كما تنشر ميزانيّاتها الرابحة وكأنّ شيئاً لم يكن. فقد صرفت هذه المصارف أكثر من مليار دولار على التسويق والإعلانات خلال السنوات العشر الماضية ومليارات أخرى على الإستشارات والرعايات و"الرعايات الأخرى" ولم تتعلّم أبسط قواعد العمل التجاري: الثقة، ثم الثقة، ثم السمعة الطيّبة.

تجارية واستثمارية في الوقت نفسه

من الأخطاء الكبرى التي إرتكبتها المصارف اللبنانية هي الخلط ما بين عمل المصارف التجارية ومصارف الإستثمار؛ أو بشكل أدقّ، قامت المصارف التجارية بنشاطات مصارف الإستثمار وهي من أكبر المحظورات في عالم المصارف منذ العام 1933 حين وضع قانون غلاس- ستيغل Glass-Steagall Act الذي استمر العمل به حتى سنة 1999 وكان ردّاً على دور المصارف الهدّام في "الإنهيار الإقتصادي الكبير" الذي بدأ في الولايات المتحدة الأميركية سنة 1929. يعتبر كثيرون أن تعليق العمل بهذا القانون كان من الأسباب المباشرة في تفلّت الأسواق المالية وتسويق المنتجات الإستثمارية السامّة التي أوصلت العالم إلى أزمة "الرهون العقارية" في 2008.

صالونات الكاش

بالإضافة إلى الخلط الخطر بين التجاري والإستثماري، إستهترت المصارف اللبنانية بمسؤوليتها عن مدّخرات الناس وتعويضات اللبنانيين وجنى عمر المغتربين وتحوّلت إلى "صالونات كاش" تعمل لدى مصرف لبنان فتجمع الأموال وتوظفّها في "البونزي الكبير". كذلك استهترت بتطبيق القوانين وتحديداً القانون 442015 ما فتح البلد على مصراعيه أمام نشاطات تبييض الأموال.

الخلط بين السياسة والأعمال

من ناحية أخرى، جمع القطاع المصرفي اللبناني بين السياسة والمال والأعمال وظنّ أنّه إشترى بوليصة تأمين ضد الكوارث والخضّات بمجرّد إدخاله السياسيين والنافذين كشركاء وشراء الولاءات بالخدمات والتوظيف والرشاوى ولو كانت على شكل ميزانيات إعلانية وتسهيلات مختلفة. فبدل التركيز على العمل المصرفي المحترف والتوسع في أسواق المنطقة وخارجها ربط هذا القطاع نفسه بدَين الدولة السيادي وشعوذات مصرف لبنان النقدية وأخذ مجازفات ومراهنات غير مبرّرة بأموال المودعين. الثقة المفرطة بالمنظومة الحاكمة جعلت القطاع المصرفي يستهتر في حركاته البهلوانيّة وعندما سقط فضح وجه شبكة الأمان السياسية والبرلمانية التي حاولت وما زالت تحاول إنقاذه على حساب جنى عمر اللبنانيين.علامات تجارية سامّة

يبدو أن المصارف اللبنانية مستعدّة أن تخرّب البلد وحياة الناس لكي تحافظ على وجودها، لكن الحقيقة التي غفلت عنها هذه المؤسسات وأصحابها ومستشاروها هي أنها أصبحت "ماركات سامّة" وانتهت كعلامات تجارية يوم فرّطت بثقة المودعين، وحتى لو استطاعت تطويع القوانين والمشرّعين وشراء الخبراء والمطبّلين فلن تستطيع تطويع قوانين السوق ولا إستعادة الثقة لا في هذا الجيل ولا بعده.

فعندما تعثّر البهلوان هذه المرة سقط مباشرةً على الجمهور.@JeanClaudeSaade

(*) خبير متقاعد في التواصل الاستراتيجي