وليد شقير

بري أجهض الهرطقات فماذا عن الفراغ؟

4 دقائق للقراءة

قطع رئيس البرلمان نبيه بري شعرة معاوية مع العهد الرئاسي في آخر أيامه، على الرغم من الجهود التي كان يبذلها من أجل تسهيل تأليف الحكومة الجديدة من خلال علاقته مع الرئيس المكلف تأليف الحكومة نجيب ميقاتي لحثه على تسريع التأليف.

خرج بري من فضيلة الصمت التي مارسها خلال الأشهر القليلة الماضية حول موضوع الحكومة وغادر موقع المراعاة لرئيس الجمهورية، بعدما أتحف الرئيس ميشال عون الوسط السياسي بالمطالب في شأن الحكومة لتأخير توقيعه على مرسوم تعويم الحكومة المستقيلة، كي تتولى إدارة الفراغ الرئاسي.

وكي يستعيض عن فقدان دوره الوسيط بفعل حملته على مقاربة البعض للأزمة الراهنة «بأسوأ وأخطر عقلية عرفتها الحياة السياسية اللبنانية في كل حقباتها كيداً ونكداً وحقداً ونبشاً للقبور وانفصالاً عن الواقع»، قاصداً بذلك التهويل الذي يقوده رجال الفريق الرئاسي بقيادة رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، ضد الوسط السياسي وميقاتي، قطع الطريق على مقولة عدم شرعية تسلم حكومة تصريف الأعمال صلاحيات الرئاسة إذا لم ينتخب الرئيس البديل، بأن ذكّر بأن تفسير الدستور ينحصر بالمجلس النيابي. حَسمُ الأمر على هذا الشكل يفترض أن أكثرية البرلمان ستكون ضد اعتبار تولي حكومة تصريف الأعمال أمراً غير شرعي، يحول دون ما رآه بري «العبث بالدستور أو التمرد عليه أو البحث عن اجتهادات غب الطلب»، المتهم بها محيط القصر الرئاسي.

قد يقول قائل إن بري انتظر ست سنوات مارس خلالها أسلوب المراعاة لموقع الرئاسة الأولى، وخصوصاً لحليفه «حزب الله» الذي ترك للفريق العوني أن يستأثر بالكثير من الأمور لأسباب تتعلق بحاجته إلى تغطية خياراته الإقليمية، وأنه لاقى بفارغ الصبر اقتراب مغادرة عون قصر بعبدا، بعدما كانت نصيحته للحزب في العام 2016 ، بأنه لن يختار عون لأن انتخابه يعني انتخاب رئيسين للجمهورية، هو وباسيل، ولم يأخذ بها. وهو أبلغ عون بهذا الموقف حين شرح له في حينها الأسباب التي تدفعه إلى عدم انتخابه قبل الجلسة النيابية التي جرى فيها الانتخاب. هذا مع أن بري عقد طوال هذه السنوات الصفقات والتسويات مع العهد العوني، وتقاسم في محطات عدة معه المغانم والمكاسب من خلال الحكومات المتعاقبة، على رغم النفور وغياب الكيمياء بينه وبين عون ومعه باسيل.

لكن بري قال كلامه حيال العهد الرئاسي في مناسبة جماهيرية وأمام حشد شعبي غير مسبوق لجمهور حركة «أمل» في الجنوب، في ظل الحملة عليه من قبل خصومه ومن قبل «التيار الوطني الحر» وبعد أن تناولته الحملات التي أعقبت الانتخابات النيابية على أن الأزمة الاقتصادية المالية أضعفت شعبيته انتخابياً، قياساً إلى الأرقام التي حصدها مرشحو «حزب الله».

البارز في ما قاله بري عن ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل إضافة إلى تشدده في لوم الوسيط الأميركي لأنه لم يأتِ بالجواب على العرض اللبناني الأخير، أنه رد بطريقة مباشرة على دعوة الرئيس عون قبل أيام إلى سؤال الرئيسين بري وميقاتي عن أسباب عدم إنجاز ملف الترسيم وإشارته إلى أن هناك من لا يريد إنهاءه قبل انتهاء ولايته. إذ أشار رئيس البرلمان إلى «الإستعراضات وتوزيع الشهادات بالدفاع عن الحقوق السيادية للبنان، وعلى مين؟ علينا ؟ نحنا عم نوزع شهادات». كلام بري جاء قبل ساعتين من إعلان البيت الأبيض (وليس الخارجية الأميركية) أن متابعة واشنطن مفاوضات الترسيم أولوية وأن التوصل إلى اتفاق، وسط معطيات بأن الجانب الأميركي يمارس ضغطاً فعلياً على المسؤولين الإسرائيليين كي يقبلوا بالعرض اللبناني الأخير.

موقف بري هذا من العهد ورجاله يعني أن باستطاعته تمرير الشهرين الباقيين منه في ظل الجفاء الذي ينجم عن كلامه، فهل يعني هذا أنه يميل إلى إمكان انتخاب الرئيس البديل وتفادي الفراغ؟ هذا ما ستكشفه الأسابيع المقبلة، استناد إلى التزامه بالأمس «التقيد باحترام المهل المحددة لإنتخاب رئيس للجمهورية».