الطقس الرطب والبارد يزيد حالات السرطان؟

11 : 11

تكشف دراسة جديدة للمرة الأولى رابطاً بين العيش في مناطق باردة ورطبة وزيادة حالات السرطان. إنه استنتاج مفاجئ ومن المتوقع أن يُسبب جدلاً واسعاً.

يعرف العلماء منذ فترة طويلة أن التعرض للأشعة فوق البنفسجية المشتقة من الشمس يزيد خطر الإصابة بسرطان الجلد. لكن تُوجّه الدراسة الجديدة أصابع الاتهام إلى الأمطار والمناخ الأكثر برودة.

كشفت أبحاث سابقة تفاوتاً مفاجئاً بين شيوع السرطان ومعدلات الوفاة في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة. يبدو أن أعلى معدلات المرض تُسجَّل باتجاه الساحل الشرقي تحديداً.

يوضح المشرفون على أحدث دراسة أن هذه الاختلافات ترتبط بالعوامل العرقية والإثنية والسلوكية والاجتماعية والاقتصادية وأسلوب الحياة. حتى أن العوامل البيئية والمهنية، على غرار تلوث الهواء والتعرض للمبيدات الحشرية والمذيبات، قد تكون مؤثرة أيضاً.

تطول لائحة عوامل الخطر المُسببة للسرطان أصلاً، لكن يتابع الباحثون العمل للكشف عنها كلها.

نُشرت نتائج الدراسة الجديدة في مجلة "علم الهندسة البيئية" وحللت الأثر المحتمل للأمطار والمنطقة المناخية على مخاطر السرطان. عرّف الباحثون في تقريرهم المنطقة المناخية بـ"العامل المتغيّر الذي يجمع بين الحرارة ومستوى الرطوبة في منطقة معيّنة". هم لا يفترضون أن زيادة هطول الأمطار والحرارة والرطوبة تُسبب السرطان مباشرةً، بل يشرحون أن هذه العوامل المناخية قد تزيد نسبة التعرض للمواد المسرطنة عبر نقلها أو زيادة الجيل الحيوي الطبيعي من تلك المواد.

لاستكشاف الموضوع، جمع العلماء بيانات حول سرطان الثدي، والمبيض، والرئة، والقولون والمستقيم، والبروستات، وحصلوا أيضاً على بيانات محلية عن حالات السرطان وطبيعة المناخ والتركيبة السكانية.ونظراً إلى وفرة قواعد البيانات، اختار الباحثون تحليل 15 ولاية عشوائياً: أريزونا، أركنساس، كاليفورنيا، كونيتيكت، جورجيا، أيوا، ماساتشوستس، نيويورك، نيوجيرسي، أوكلاهوما، كارولينا الجنوبية، تكساس، يوتا، واشنطن، ويسكونسن.

كذلك، عدّل الباحثون نتائجهم لمراعاة العمر، والجنس، والانتماء العرقي، والدخل، وعمر السكان، والتنوع، لأن هذه العوامل قد تؤثر على معدلات السرطان في أي مجموعة سكانية. لكنهم رصدوا رابطاً قوياً رغم إحداث هذه التعديلات: تزامنت زيادة الأمطار مع ارتفاع حالات السرطان الإجمالية. كذلك، أثّرت المنطقة المناخية على جميع نتائج السرطان.في المُحصّلة، زادت حالات السرطان في المناطق الباردة جداً مقارنةً بالمناخات الحارة والجافة. لكن حين قسّم الباحثون السرطان إلى نوعَين، برزت مجموعة من الاستثناءات. بدا سرطان الرئة مثلاً أكثر شيوعاً في المناطق الحارة والجافة.

كانت الدراسة محدودة أيضاً على بعض المستويات. اكتفى الباحثون مثلاً بتحليل 15 ولاية، لذا قد لا ينطبق النمط الذي رصدوه على جميع الولايات أو على بلدان أخرى. كما أنهم لم يأخذوا في الاعتبار جميع أنواع السرطان في تحليلهم. قد لا تتماشى أنواع مختلفة من المرض مع هذه الأنماط، كما حصل مع سرطان الرئة.على صعيد آخر، تعني الدراسات المبنية على المراقبة احتمال وجود متغيرات أخرى لم يرصدها هذا التحليل لتفسير الرابط بين العوامل. كما أنها أول دراسة من نوعها ولا بد من إجراء أبحاث إضافية طبعاً للتأكد من نتائجها.

يطرح الباحثون بعض النظريات لتوضيح هذه العلاقة غير المألوفة. في الساحل الشرقي مثلاً، تطلق الأمطار المتزايدة عناصر قلوية مثل المغنيسيوم والبوتاسيوم من التربة، وهذا ما يزيد حموضة التربة.

وفي التربة الحمضية والمناطق الأكثر برودة أيضاً، تكون الجراثيم المؤكسِدة للأمونيا أكثر شيوعاً.

هذه الجراثيم تُحوّل الأمونيا إلى نتريت. وحين يرتفع مستوى الحموضة، قد يتحول النتريت إلى حمض النيتروز الذي يصل إلى الغلاف الجوي، وتعتبر الهيئات الصحية هذا الحمض مسرطناً.

إذا كانت هذه الفرضية صحيحة، من المنطقي أن نتوقع انعكاس المواد المسرطنة المحمولة جواً على حالات سرطان الرئة بشكلٍ أساسي. لكن اكتشف الباحثون أن العكس صحيح.

لتفسير الرابط بين زيادة الأمطار وشيوع السرطان، يتعلق عامل محتمل آخر بالفيتامين D. تنتج البشرة هذا الفيتامين رداً على التعرض للأشعة فوق البنفسجية من الشمس. افترض بعض الباحثين أن نقص الفيتامين D قد يكون جزءاً من عوامل الخطر المُسببة لبعض أمراض السرطان. هذا الوضع له تداعيات محتملة في أكثر المناطق هطولاً للأمطار، حيث تتراجع أشعة الشمس.

يطرح الباحثون نظرية أخرى مرتبطة باستنزاف الأيض. في المناخات الأكثر برودة، يتعرض الجسم لإجهاد أيضي حين يحاول الحفاظ على حرارته، وقد يرفع هذا الإجهاد الإضافي خطر الإصابة بالسرطان وفق نظريتهم.لا بد من إجراء أبحاث إضافية قبل التأكد من صحة هذا الأثر. وإذا أكدت عليه دراسات أخرى، من المتوقع أن تكون الأسباب الكامنة وراءه معقدة ومتعددة الأوجه وقد تشمل جميع النظريات الآنف ذكرها أو لا تتعلق بأي واحدة منها.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.