محمد علي شمس الدين... رحيل قامة شعر جنوبية

6 دقائق للقراءة

رحل الشاعر الكبير محمد علي شمس الدين أمس، بعد صراع مع المرض عن عمر يناهز 80 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً ثقافياً ومخزوناً شعرياً غنياً. ستبقى كلماته تضجّ روحاً وإبداعاً رغم الغياب.

وُلد الراحل في قرية بيت ياحون الجنوبية التي لطالما تحدّث عنها، ويعدّ من طليعة "شعراء الجنوب"، التسمية التي أطلقت على مجموعة من الشعراء مثل حسن عبد الله وشوقي بزيع والياس لحود وجودت فخر الدين، الذين نُشرت قصائدهم الأولى مطلع السبعينات، وجميعهم ينتمون إلى قرى الجنوب اللبناني، وعبّروا عن همومها ومواجهتها العدوان الإسرائيلي آنذاك.

حاز إجازة الحقوق من "الجامعة اللبنانية" عام 1963، وعمل مديراً للتفتيش والمراقبة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي اللبناني، ثم تحوّل بعد ذلك إلى دراسة التاريخ حتى حصل على درجة الدكتوراه.

تفتّحت موهبته الشعرية باكراً، ويعتبر من طليعة شعراء الحداثة في العالم العربي منذ العام 1973، وشارك في الكثير من المهرجانات الشعرية في البلاد العربية.

عرف بغوصه في الأدب الإسلاميّ، وبإلمامه بالشعر الفرنسي والثقافة الفرنسية. حاز في العام 2011 جائزة "العويس" الشعرية وتُرجمت أشعاره إلى أكثر من لغة منها الإسبانية والفرنسية والإنكليزية، وكتب عن قصائده الكثير من النقّاد العرب والغربيين.

لقي شعره رواجاً واسعاً في لبنان والبلاد العربية، وترك الكثير من المجموعات الشعرية أبرزها: "قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا"، "غيم لأحلام الملك المخلوع"، "أناديك يا ملكي وحبيبي"، "الشوكة البنفسجية"، "طيور إلى الشمس المرّة"، "أما آن للرقص أن ينتهي"، "أميرال الطيور"، "في آبار منازل النرد"، "ممالك عالية"، "كتاب الطواف"، "حلقات العزلة"، "اليأس من الوردة"، "غرباء في مكانهم"، "الغيوم التي في الضواحي"، "شيرازيات"، "الأعمال الكاملة" (جزءان)، "النازلون على الريح"، "الإصلاح الهادئ" (بحث تاريخي)، "غنوا غنوا" (قصص للأطفال)، و"قصة ملوّنة" (قصص للأطفال).

شهادات فيه

فور انتشار الخبر، نعى اتّحاد «الكتّاب اللبنانيّين» الراحل معلّقاً: «كلّما مات عالم ترك ثلمة في ميادين العلم والمعرفة وكلّما مات شاعر ترك أثلاماً في بحور الإبداع والفن والثقافة.

الشاعر البهيّ الطلعة، العميق الفكرة، البعيد التطلع، المجدد في الشعر والمتجدد مع رقي الكلمة، الشاعر الذي شغل دنيا الوطن والعرب بقصائده المميزة طوى رحلة الفناء وذهب مطمئناً الى دنيا الخلود، حيث العدالة الإلهية وحيث جنات النعيم التي هي حلم كلّ إنسان. الخسارة الوطنية والفكرية فادحة وخسارة اتحاد الكتّاب اللبنانيّين كبيرة برحيل هذه القامة الباسقة، لكن ما يعزّينا أن أثره وتراثه سيبقيان ذخراً للأجيال ومنارة للشعراء وطلائع الإبداع. رحم الله الشاعر المجلّي محمد علي شمس الدين ودعاؤنا أن يكون مسكنه في جنات النعيم».

كذلك، نعى عدد من الشعراء زميلهم الراحل كلّ على طريقته، فالكاتب أحمد بيضون رثاه عبر «فيسبوك» قائلاً: «أسفاً على محمّد علي شمس الدين وخسارةً لما في ديارنا من إبداع. ولكنّني لا أرى في رحيلِه سبَباً للزَعْمِ أنّني أحبَبْتُ كلَّ ما قرأتُ لهُ من شعر.

ما لم أُسِغْهُ في كثيرٍ من هذا الشعْرِ كانَ ما وجدتُهُ بقيّةً من شعرِ الجيلِ الذي سَبَقَ جيلَهُ (وجيلي) من شُعَراءِ جبل عامل. وهو ما أسَمّيهِ «السُكّر زيادة» في العبارةِ وفي الصورة. هذا متعلّقٌ بذوقي، على الأرجحِ، ولا ينتقصُ من خسارةِ الشعرِ وخسارتِنا برحيله. أَسَفاً عليه».

أمّا الشاعر شوقي بزيع الذي كان متوجّهاً الى تشييع الراحل عند اتّصالنا به، فعبّر عن حزنه الشديد، وقرّر أن يرثيه من خلال قصيدة له رأى أنها تنطبق تماماً على شمس الدين: «يمضي وعيناه على (الريحان) مطبقتان/ تتصلان بالشجر العظيم لغابة الأسلاف/ نهرا حنطةٍ كفاه/ والزيتون يتبعه وزهر البرتقال».

وأضاف: «سقط محمد علي شمس الدين. لا كما تسقط الأوراق عن فروع صيفها الآفل، أو كما تسقط فكرة نافلة من عتمة الذاكرة، بل كما تسقط المدن والنيازك وأبطال الملاحم القديمة».

أمّا الشاعر محمود عثمان الذي لم يستطع بسهولة تصديق خبر وفاته، فعبرّ لـ»نداء الوطن» قائلاً: «في الواقع، لم أكن جاهزاً لتلقّي مثل هذا النبأ. عندما قرأت خبر وفاته عبر مواقع التواصل، عادت إلى ذاكرتي لحظات كثيرة جمعتني بالشاعر العظيم، لعلّ أبرزها يوم كنت طالباً جامعياً والتقيته على باب دار الندوة في بيروت وأخبرته أنني أنظم الشعر وأسمعته قصيدتي «الهمزة». وكان الشخص الذي شاورته في إصداراتي اللاحقة جميعها».

وأضاف: «حزني لا يوصف اليوم، وأقول لأستاذي الكبير: أعتذر منك لأنني لم أستطع إنقاذك وإنقاذ الشعراء العظماء أمثالك من مخالب الموت ولكن كن على يقين أنني كلّما اشتقت إليك فسأختلي بقصائدك في الديوان وأفتح حواراً معها علّني أجدك بين الكلمات».

أمّا الشاعر مهدي منصور فعبّر قائلاً: «لا يمكن أن تختصر الكلمات شاعراً بهذا الحجم، ولكن بالنسبة إليّ، سطع نجمه في ثلاثة مجالات: الأول، من خلال علاقته الوجدانية بأرض الجنوب وترابها فكانت قصائده توازي نضال المقاومين أهميةً. الثاني، من خلال معرفته كيف يسكن في الحب إن كان بين الشاعر وامرأته أو أرضه. أمّا الثالث والأهم فهو علاقته الفريدة مع الصوفيّة والقصائد التي أتى بها من الغيب واستحضاره الحلّاج».

ووصف الشاعر هنري زغيب صديقه الراحل بـ»أوفى الأصدقاء»، مستذكراً صداقتهما بمحطتين؛ الأولى حين نشر قصيدته «تغريبة النبي» في مجلّته «الأوديسه»، والثانية حين شارك في ندوة عن كتابه «الياس أبو شبكة من الذكرى إلى الذاكرة». أما شعرياً، فاعتبر أنّ الراحل من أهم الشعراء المكرَّسين في الربع الأخير من القرن الماضي والربع الأول من هذا القرن لما تحمله قصائده من نسيج شعري ومضمون يرتقي به إلى طليعة الشعراء العرب في يومنا هذا.

من جهتها، رثته الشاعرة حنان فرفور قائلةً: «كل من تلصّص على شعره عرفه مارداً يدخل القصيدة بعباءة الألوهة ويخرج منها طفلاً عارياً مغمّساً بزيت الجنوب المقدّس». مضيفةً: «باكراً جداً تعرّفت إليه، حين سمعت زينبه على لسان وليد توفيق في نهاية فيلم من يُطفئ النار وهو يصرخ «لو صاح الديك على هذه الكرة الأرضية لعرفنا سر الصوت، لو أن الفجر تأخر ثانيةً عن موعده لنجونا لكن الموت...». وأكدت فرفور أن قصائد الشاعر الذي لطالما ناداها بـ»الصديقة» عصيّة عن الموت لأنه شمس الشعر العربي التي لن تنطفئ لو نطحها قرن الموت.




اتحاد الكتاب العرب يكرمه


من درره

(1)

وداعاً أيها الشّعر !

«هبّ شتاء عاصف

ورأيت بأرض حديقتنا

شبحاً

يمشي

فخرجتُ

فلم أبصر

إلا نعشي».

(2)

«هذا ألمي، قرباني لجمالك لا تغضب

فأنا لست قويا حتى تنهرني بالموت

يكفي أن ترسل في طلبي

نسمة صيف فأوافيك

وتحرك أوتار الموسيقى

لأموت وأحيا فيك

هذا ألمي

هذا ألمي خفف من وقع جمالك فوق فمي».