منذ بداية وعيي، تكاد لا تغيب عن ذاكرتي صورة واحدة تتكرر: أمي، منذ طفولته، تطلب من أخي طوني، بكل محبة وحرص وإلحاح، أن يوازن بين مصلحته ووقته وكل اهتماماته من رعوية وشبيبة وكنيسة. كانت تطلب منه أن يهتم بنفسه على قدر اهتمامه بالأمور الأخرى، وأن يولي بعض الوقت لصحته، لعلمه، لمستقبله، لعمله…
وكان هو مأخوذًا، ليلًا ونهارًا، بمسابقة نفسه، كأنه يريد أن ينجز المهمة قبل انقضاء نهار الحياة.
سخّر كل طاقاته للخدمة: من خدمة القداس منذ طفولته، والترتيل والإنشاد، إلى خدمة الكنيسة المحلية والكنيسة الجامعة، إلى خدمة الشأن العام، من عمل بلدي إلى عمل سياسي على مستوى أوسع وأشمل، إلى خدمة العمل البحثي والتربوي من دراسات ومشاريع وكتب.
عدّة حيوات في حياة واحدة، كأن الستين عامًا هي عملُ مئة عام.
حياة تتمحور حول الرعاية بكل معانيها وأوجهها، ومصادقة الرعيان.
وهكذا، على مستوى العمل الكنسي، وبعمر السادسة عشرة، أسّس حركة “الليجيو ماريه” في منطقتنا في أدما وكفرياسين. وفيما بعد، أسّس أول مجلس رعوي في الرعية، وساهم في المجلس الرعوي الأبرشي، ثم شغل منصب أمين عام المجلس الرسولي العلماني في لبنان.
هذا الالتزام لم يبقَ محليًا، بل امتد إلى الكنيسة الجامعة، حيث انخرط في خدمة أوسع، وشارك في المجالس والهيئات الكنسية، وعمل في دوائر الفاتيكان، ونسج فيها علاقات صداقة ورعاية، وأسهم في تنظيم محطات كنسية كبرى.
وقد عُيّن عضوًا في المجلس الحبري لرسالة العلمانيين، كممثل عن الكنائس الشرقية، وذلك من قبل البابا يوحنا بولس الثاني، وجُدِّدت استثنائيًا له هذه المهمة لعدة دورات خلال حبريّتَي البابا بندكتوس السادس عشر والبابا فرنسيس، في تعبير واضح عن الثقة باستمرارية عطائه ودوره.
كما تولّى مسؤوليات تنظيمية في إطار الأيام العالمية للشبيبة، حيث شارك في هذه اللقاءات الدولية ونظّم الوفد اللبناني ابتداءً من مانيلا – الفيليبين (1995)، مرورًا بباريس – فرنسا (1997)، وصولًا إلى روما – إيطاليا (2000)، ثم تورنتو – كندا (2002) وأستراليا (2008)، في تجربة كنسية جامعة عكست قدرته التنظيمية لوفود كبيرة (في بعض اللقاءات تخطّت الألفين مشارك)، وشفافيته، والتزامه العميق بالشبيبة، ودوره في ربطها بالكنيسة العالمية.
كما شارك مشاركةً عميقة في تحضير وأعمال المجمع البطريركي الماروني بين عامَي 2004 و2006، برئاسة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، الذي أعاد تجديد الكنيسة المارونية وتطلّعها إلى المستقبل.
بحضوره الفاعل في الحياة الرعوية والرسولية، وبصدقه وتقشّفه، ربطته علاقة مميزة بالبطريرك صفير، راعي الكنيسة المارونية، ورفيق الرعيان والبسطاء على دروب وادي قنوبين.
بالإضافة إلى ميله الفطري الطبيعي، وتراكم تجربته في صميم كنيسته ومجتمعه، فقد اكتسب خبرة واسعة في فهم الناس، مع كل تناقضاتها واختلافاتها، ومحبتها وخدمتها بالمجان وبعفوية. فقد صادق أناسًا من مختلف المشارب والمناطق، من مختلف الطبقات والمراتب. عاش بمحيطه كالأمير الصغير في تحفة أنطوان دو سانت-إكزوبيري وعلاقته بالوردة والثعلب. علاقة مع “الآخر” الذي يصبح فريدًا لأننا أحببناه وأعطيناه فرصة ووقتًا واهتمامًا وإصغاءً. كان يشعر بسعادة غامرة بمصادقته البسطاء وأهل الأرض والمزارعين والرعيان. رعيان على دروب منطقتنا، وفي البحيرة، إهدن، قنوبين، قرطبا ومار موسى. درس عاداتهم وحياتهم وشاركهم فيها.
من هنا جاء عمله وخدمته في الشأن العام بطريقة تلقائية عفوية كونه ابن “الأرض”، فانتُخب رئيسًا لبلدية أدما والدّفنه، حيث وضع خبرته ووقته، مجسّدًا مفهوم العمل كرسالة تقوم على الرؤية والانتظام والتقيد بالقانون.
وعلى المستوى السياسي الأوسع، كان قريبًا من لقاء قرنة شهوان ومواكبًا لمسيرته، كما دوّن تجربة 14 آذار من خلال كتاب أصدره.
وقد آمن بالشأن العام على أساس مبدأ الرعاية أو القيادة الخادمة المتواضعة الصامتة، على مثال فؤاد شهاب ونصرالله صفير، مبعدًا نفسه عن رعاع الفساد والتفاهة والظهور.
أما على المستوى الفكري والبحثي، فقد جمع بين العمل الميداني والخبرة الفكرية، إذ تخصّص في العلوم الاجتماعية، وأنجز أبحاثًا في التاريخ والدراسات الاجتماعية والإحصائية، وألّف عددًا من الكتب، من بينها: «Les clefs du vote»، «انتفاضة الاستقلال»، و«قراءة مارونية في الزمن الآتي»، بالإضافة إلى العديد من الدراسات والمقالات.
أما الكتب التي ساهم وساعد في إعدادها فهي عديدة، وعلى سبيل المثال لا الحصر: «الفاتيكان بمعانيه ومبانيه» (تأليف المطران ادمون فرحات)، و«جمهورية الفلاحين» (تأليف رمزي سلامة)، إلى جانب إسهاماته في العمل البحثي والاجتماعي الذي أفادت منه الكنيسة والمجتمع.
"الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا" (الإمام علي بن أبي طالب).
فعليًا، نحن من انتبه.
نحن، القريبون من طوني: أهله وأصدقاؤه ومحبّوه، انتبهنا إلى حجم الغياب: غياب حسن التدبير والكلمة الطيبة والمشورة، غياب طول الأناة والصبر، غياب النشاط والتفاؤل.
لكن… الرحيل في أسبوع آلام راعي الرعيان هو رجاء في زمن الرجاء:
"فإن كنا قد متنا معه، فسنحيا أيضًا معه."
(٢ تيموثاوس ٢:١١).