نظمت وزارة الزراعة بالتعاون مع بلدية زحلة ليل الأحد معرضاً لأنواع عنب المائدة، في حدث هو الأول منذ إعادة إحياء مهرجانات الكرمة السياحية بعد الحرب اللبنانية. وقد إعتبره رئيس البلدية أسعد زغيب مقدمة لإستعادة «ليالي العنب» التي شكلت في منتصف القرن الماضي تقليداً سنوياً أرساه المحافظ نصري سلهب الذي خطط، ونفذت في عهده أيضاً أعمال إقامة «حديقة الممشية» التي إستضافت معرض العنب والتي صار إسمها حالياً حديقة الشعراء. فروى رئيس بلدية زحلة كيف شكلت ليالي العنب بعهده مناسبة يتنافس خلالها المزارعون على حجم عناقيدهم، بحيث كان وزن بعضها يتخطى الخمسة كيلوغرامات أحياناً.
لا شك أن النسخة الجديدة لليالي العنب في سنة 2022 تبدلت كثيراً، ليس فقط من حيث الأصناف التي أضيفت الى أنواعه اللبنانية التقليدية أي البيتموني، التفيفيحي والعبيدي، وإنما أيضاً من حيث تقنيات الزراعة، والتعديلات التي دخلت حتى على الأصناف التقليدية، وسمحت للعديد منها بإختراق أسواق الخليج العربي وأوروبا، لتصبح بظل الأزمة الحادة التي يعاني منها لبنان واحدة من الركائز التي تسهم في صمود المزارع، القادر على بيع إنتاجه في الخارج بأسعار أفضل بكثير من تلك التي يعرضها عليه التجار في الأسواق المحلية وبالدولار الطازج.
يقول رئيس بلدية نيحا حنا الفخري وهو من بين 16 مزارعاً بقاعياً عرضوا منتجاتهم ليل الأحد، أن «المزارع الذي يتعب على إنتاجه ويتعامل بسخاء معه لا يمكن إلا أن يجني ثمار تعبه، أما عندما نضحك على الرزق فهو سيضحك علينا». وفخري من بين المصدرين القليلين الذين لا يزال البيتموني والتفيفيحي يتربعان على عرش كرومه، ويفخر بأنه قادر على إيصال إنتاجه الى الخارج وبأفضل الأسعار.
إلا أن ذلك لا يعني بأنه على المزارعين أن يكتفوا بهذه الأصناف التقليدية. فالسوق بالنتيجة كما روى اكثر من مشارك في المعرض، عرض وطلب. والإغراء البصري الذي يشكله بعض الإنتاج لن يكون كافياً، ما لم يترافق مع إستخدام تقنيات الإنتاج السليمة. وبالتالي فإن الرسالة الأساسية التي أراد المعرض أن يوجهها للمزارعين، هي في أن يطور المزارعون ممارساتهم الزراعية بما يتلاءم مع معايير الزراعة الجيدة Global gap لتأمين إنتاج خال من الترسبات، يجعل العالم يتهافت عليه بكثافة اكبر مما هو حاصل حالياً، ويجعل وجوده في السوق المحلية قيمة مضافة لا يمكن التفريط فيها.
بدا كل واحد من العارضين الـ 16 في حديقة شعراء زحلة في المقابل فخوراً بالنتائج التي حققها. ليس فقط لأنه تمكن من إختراق أسواق خارجية، وإنما لكون كل منهم يحمل قصة نجاح أراد أن تعمم على زملائه، وخصوصاً من إنتاج العنب، الذي يؤكد مزارعوه أنه مهما تنوعت أسماؤه وأصوله، يبقى غذاؤه الأساسي من طبيعة هذه الأرض ونوعية مناخها التي تعطي أفضل الإنتاج.
إلا أن المزارعين لم يظهروا في المقابل تعويلاً كبيراً على الدولة ومؤسساتها. فكيف لهم ان يفعلوا ذلك، والميزانية المحددة لوزارة الزراعة لم تتخط منذ سنوات الـ 0.77 بالمئة، من مجمل الموازنة العامة وتبلغ قيمتها 108 مليارات ليرة، وذلك وفقاً لما قاله أيضاً مدير عام وزارة الزراعة لويس لحود بالمناسبة. وقد إعتبر لحود «أننا إعتدنا على الذل والبهدلة بموازناتنا». ومن هنا رأى أن «يداً واحدة في الزراعة لن تصفق»، داعياً «الإغتراب اللبناني وخصوصاً الإغتراب الزحلي الى التعاون في تأمين الأسواق للمنتجات الزراعية في بلدان إنتشارهم»، معتبراً أنهم بذلك «يسهمون بتثبيت أهلنا في أرضنا ويدخلون العملة الصعبة الى لبنان، ويعرّفون البلد الذي ينتشرون فيه على إنتاجنا». وحث لحود النواب لوضع الحسابات السياسية جانباً والتوحد حول الزراعة، التي تحتاج الى الجهود»، وقال: «نحن بحاجة لكل دعم سواء كان آتياً من مجلس النواب أو من ضمن الكتل النيابية». مذكراً «بأن كل منتج يُدعم نحافظ على مُزارعه في أرضه».
في المقابل يبدو أن الإحتفال بالعنب، وخصوصاً في مدينة زحلة هذا العام لم يصل الى نهايته. بل كشف لحود عن حدث كبير يتعلق بتنظيم معرض لأنواع النبيذ والعرق اللبناني في زحلة خلال شهر كانون الأول المقبل نزولاً عند رغبة بلديتها، وأمل أن يترافق الإحتفال بالطبق اللبناني الذي جعل من زحلة مدينة مشاركة في شبكة الأونيسكو للمدن المتميزة.
علماً أن زغيب إعتبر أن «اجمل ما في احتفالات هذا العام، أننا إستعدنا الإحتفال بليالي العنب، شيخ الفاكهة الزحلية، والعنب الذي إذا لم يكن زحلياً لا يكون عنباً»، آملا التأسيس لمستقبل زراعي واعد بالتعاون بين الجميع.