أميركا وإيران تتفقان «عن بُعد»

5 دقائق للقراءة

عرقل التصعيد العسكري في لبنان لساعات قليلة مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية حول مذكرة التفاهم أمس، في اليوم الذي كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أكد أن واشنطن وطهران ستوقّعان إلكترونيًا التفاهم، الذي من شأنه أن يفتح مضيق هرمز ويرفع الحصار الأميركي، على أن تُطلق مرحلة تفاوض مدّتها 60 يومًا حول تفاهم نهائي في شأن الملفات الشائكة. بالفعل، أوضح ترامب أن الضربة الإسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية أمس تسبّبت في تأخير إعلان الاتفاق. غير أن التصعيد لم يمنع التوصّل إلى تفاهم هذه المرّة، إذ بعد ساعات، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف التوصّل إلى اتفاق السلام بين أميركا وإيران، موضحًا أن الجانبين أعلنا الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كافة الجبهات، بما في ذلك في لبنان، على أن يُقام حفل التوقيع الرسمي في سويسرا يوم الجمعة المقبل. وذكر أنه مع دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، سيُيسّر الوسطاء عقد سلسلة من الاجتماعات هذا الأسبوع. وستضع هذه المحادثات الأساس للمحادثات الفنية ولحفل التوقيع الرسمي.

ويأتي ذلك بعدما كان ترامب قد اعتبر أن الهجوم على الضاحية «ما كان ينبغي أن يحدث، خصوصًا في يوم خاص نحن فيه قريبون جدًا من اتفاق سلام مع إيران»، مشيرًا إلى أن «لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ضدّ التهديدات، لكن الهجوم الذي كانت تردّ عليه كان صغيرًا جدًا وبلا معنى، ولم يُصب أحد بأذى أو بجروح، ولم يُقتل أحد، ولا ينبغي أن يعطّل هذه العملية المهمّة». وجزم بأنه «نحن قريبون جدًا من اتفاق سيجلب السلام إلى المنطقة، بما في ذلك إلى لبنان»، مشددًا على أنه «يجب ألّا تكون هناك أي هجمات أخرى من جانب إسرائيل في أي مكان في لبنان، لكن يجب أيضًا ألّا تكون هناك أي هجمات أخرى من جانب أي طرف آخر، بما في ذلك «حزب الله»، ضدّ إسرائيل». وكشف ترامب لاحقًا أنه تحدّث مباشرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وسأله «ماذا تفعل بحق الجحيم؟». وقال: «لماذا كان على بيبي أن يشنّ هجومًا ملعونًا؟ كنت غاضبًا جدًا. لا يملك أيّ تقدير ملعون للأمور. أبلغته ذلك».

في المقابل، تعهّد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بأن الأعداء «لن يتمكّنوا أبدًا من عزل أيّ جزء من أركان المقاومة أو الانفراد به»، مشددًا على أن «جهاد المقاتلين الشجعان في لبنان، والدبلوماسية المقتدرة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، سيضمنان سيادة لبنان العزيز ووحدة أراضيه، وسيقلبان طاولة جنون النظام الإسرائيلي وإشعاله للحروب». واعتبر أن الهجوم على الضاحية «أظهر مرّة أخرى أن أميركا إما لا تملك الإرادة لتنفيذ تعهّداتها أو لا تملك القدرة على ذلك». وتوعّد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر بأن «ردّ مقاتلي الإسلام قادم»، مدّعيًا أن «وحدة الصف أنشأت سلسلة أمنية للدفاع عن المنطقة». وجزم بأن «لبنان روحنا، ولن يتمّ التسامح مع انتهاك الخطوط الحمراء لإيران». وتعهّد رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي بأن الردّ من جانب «جبهة المقاومة الموحّدة» أمر حتمي.

في الغضون، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن القرارات المتعلّقة بالحرب ومحادثات السلام تعود في نهاية المطاف إلى المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي والمجلس الأعلى للأمن القومي في البلاد، مؤكدًا ضرورة أن تشعر كافة المجموعات السياسية بأنها ملزمة باتباع قرارات المرشد. وجاء ذلك بعدما كان المتشددون في النظام الإيراني يوجّهون عبر الإعلام الرسمي انتقادات قاسية للتفاصيل المتداولة للاتفاق مع واشنطن، وشهدت بعض التجمّعات هتافات ضدّ المفاوضين.

إلى ذلك، أكد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أنه «نسير على المسار الصحيح» لتوقيع مذكرة التفاهم مع طهران، جازمًا بأنه «لن يتمّ الإفراج عن أي أموال لإيران إلى أن تنفّذ ما عليها». وحذّر من أن «كامل قوّة وزارة الحرب الأميركية مستعدّ لضمان ألّا تمتلك إيران أبدا سلاحًا نوويًا». وذكر أن بلاده قادرة على إزالة الألغام وإبعاد التهديدات الأمنية في مضيق هرمز خلال 30 يومًا «في بيئة مؤاتية»، مشيرًا إلى أن «الكرة ستكون في ملعب إيران». وأكد أنه «بمجرّد توقيع هذا الاتفاق، نتوقع أن تتوقف إيران عن إطلاق النار» على سفن الشحن التجارية.

وفي إطار التسريبات الإعلامية حول مضمون مذكرة التفاهم، أفاد مسؤول إيراني كبير لوكالة «رويترز» بأن المسودة النهائية للمذكرة تنصّ على أن تعيد إيران فتح مضيق هرمز على الفور أمام كافة السفن التجارية، بينما تبدأ أميركا برفع حصارها البحري عن الموانئ الإيرانية فور توقيع المذكرة، على أن يكتمل في غضون 30 يومًا. وتقضي المذكرة بأن توافق واشنطن على عدم فرض عقوبات جديدة على إيران حتى التوصّل إلى اتفاق نهائي، وبعد ذلك، سيتمّ رفع كلّ العقوبات الأميركية والأممية على إيران وفقًا لجدول زمني متفق عليه. وأفاد بأن أميركا سترفع العقوبات النفطية عن إيران لفترة محدّدة، كما ستوافق على الإفراج عن 25 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمّدة، بما في ذلك عن طريق التحويلات النقدية المباشرة، والتعاون بين دول المنطقة، وخطوط الائتمان المالي.

نوويًا، أوضح المسؤول الإيراني لـ «رويترز» أن إيران ستوافق على عدم إنتاج أو حيازة أسلحة نووية، وستحافظ على الوضع الراهن لبرنامجها النووي حتى التوصّل إلى اتفاق نهائي، بحيث ستمتنع عن تخصيب اليورانيوم وتوسيع المنشآت النووية، بينما ستوافق أميركا على السماح لإيران بتخفيف مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب داخل إيران، بموجب اتفاق شامل يتمّ إبرامه في المستقبل. وذكر المسؤول أنه سيتمّ التفاوض في شأن البرنامج النووي الإيراني وأنشطة تخصيب اليورانيوم وآليات التعامل مع مخزون البلاد من اليورانيوم العالي التخصيب في غضون 60 يومًا من توقيع المذكرة، وسيتمّ تناول هذه القضايا في اتفاق نهائي.