إستأنف المجلس العسكري الحاكم في السودان وقادة حركة الاحتجاج، مفاوضاتهما لتسليم السلطة إلى حكومة مدنيّة في البلد العربي الواقع في شرق إفريقيا والذي يشهد اضطرابات مصبوغة بالدم منذ أكثر من ستة أشهر، أسفرت عن إطاحة الجيش الرئيس السابق عمر البشير في 11 نيسان الفائت، وسط احتجاجات كبيرة بدأت أساساً رفضاً لرفع أسعار الخبز في 19 كانون الأوّل 2018. وفي ما يأتي أبرز محطّات الأزمة السودانيّة.
بدء المحادثات
ولدت حركة الاحتجاج في السودان في كانون الأوّل من رحم نقمة شعبيّة على زيادة سعر الخبز ثلاثة أضعاف، في ظلّ أزمة اقتصاديّة وتدابير تقشفيّة، واتّخذت شكل اعتصام أمام مقرّ قيادة الجيش في الخرطوم منذ السادس من نيسان، للمطالبة بتغيير النظام السياسي. وبعدما أطاح الجيش، البشير الذي حكم البلاد على مدى ثلاثين عاماً، رفض آلاف المحتجّين فضّ الاعتصام، مطالبين بنقل السلطة إلى المدنيين.
وبدأت أولى جلسات التفاوض مع قادة الاحتجاج في 20 نيسان. وتوصّل الطرفان إلى اختراق في 27 نيسان، حين اتفقا على تأسيس مجلس مدني - عسكري مشترك يحكم البلاد في المرحلة الانتقاليّة. لكنّ الطرفين اختلفا على كيفيّة تشكيله، إذ أراد كلّ طرف أن يُشكّل ممثلوه الغالبيّة، وكذلك على من يقوده، شخص عسكري أو مدني.
واحتشد المتظاهرون في العاصمة في 2 أيّار، مع إعلان قادة الاحتجاج أن الجيش غير جاد في تسليم السلطة. وفي 15 أيّار، علّق الجنرالات المفاوضات مصرّين على أن يُزيل المتظاهرون المتاريس التي وضعوها في شوارع العاصمة. وبعد إحراز تقدّم في العشرين من أيّار، انتهت المفاوضات بين الجنرالات وقادة الاحتجاجات بشكل مفاجئ من دون التوصّل إلى اتفاق في شأن تشكيلة المجلس السيادي، الذي يُفترض أن يؤمّن المرحلة الانتقاليّة على مدى ثلاث سنوات قبل نقل السلطة إلى المدنيين. ويدعم الإسلاميّون، الجيش، آملين في الحفاظ على الشريعة الإسلاميّة الساري تطبيقها منذ الانقلاب الذي أوصل عمر البشير إلى الحكم العام 1989.
قمع دام
ونُفّذ إضراب عام يومي 28 و29 أيّار في أنحاء البلاد كافة للضغط على المجلس العسكري الحاكم. وفضّت قوّات الأمن السودانيّة، في الثالث من حزيران، بشكل وحشي، الاعتصام أمام مقرّ قيادة الجيش في الخرطوم. وأحصت اللجنة المركزيّة للأطباء السودانيين المقرّبة من حركة الاحتجاج، مقتل أكثر من 100 شخص في ذلك اليوم، في حين تحدّثت السلطات عن 61 قتيلاً. وقُطِعَت شبكة الانترنت عن الهواتف المحمولة.
وفي اليوم التالي، أعلن الجيش أن الاتفاقات التي تمّ التوصّل إليها مع قادة الاحتجاجات باطلة، ودعا إلى انتخابات في فترة لا تتجاوز تسعة أشهر. وندّد المحتجّون بـ"الانقلاب". وخلُصت لجنة تحقيق شكّلها قادة المجلس العسكري إلى تورّط "ضباط وجنود"، لكن المجلس أشار إلى أنّه أعطى الأمر بتطهير منطقة قريبة تُمارس فيها تجارة المخدّرات، لكن العمليّة لم تجرِ كما كان مخطّطاً لها.
واتّهم متظاهرون ومنظّمات غير حكوميّة، "قوّات الدعم السريع"، بارتكاب تجاوزات. ويعتبر كثر أن هذه القوّات منبثقة من ميليشيات "الجنجويد" التي ارتكبت فظائع خلال الحرب الأهليّة في إقليم دارفور، غرب البلاد.
وأعلن الجنرالات في الخامس من حزيران، أنّهم منفتحون على مفاوضات "من دون قيود"، غداة توجيه المجتمع الدولي دعوات إلى وقف أعمال العنف. لكن قادة حركة الاحتجاج رفضوا عرض الحوار مع "المجلس العسكري الذي يقتل الناس"، ودعوا إلى "العصيان المدني" اعتباراً من التاسع من حزيران، إلى حين تشكيل حكومة مدنيّة.
وأُوقف معارضون بارزون في الثامن من حزيران، بعد لقائهم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، خلال زيارته إلى الخرطوم في مبادرة أطلقها في 7 حزيران للتوسّط بين طرفي النزاع. وفي التاسع من حزيران، أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع على متظاهرين كانوا يُحاولون نصب حواجز في طرق العاصمة.
وأنهت الحركة الاحتجاجيّة في 11 حزيران، العصيان المدني الذي شلّ الخرطوم بشكل شبه تام لأكثر من ثلاثة أيّام. وأعلنت الوساطة الإثيوبيّة موافقة المجلس العسكري والحركة الاحتجاجيّة على استئناف المفاوضات.
وساطة
وعيّنت واشنطن الدبلوماسي دونالد بوث موفداً خاصاً إلى السودان في 12 حزيران، ووصل إلى الخرطوم برفقة مساعد وزير الخارجيّة المكلّف شؤون إفريقيا تيبور ناج. وفي 27 حزيران، أعلن تحالف "الحرّية والتغيير"، الذي يُنظّم الاحتجاجات في السودان، أنّه تلقّى من وسطاء إثيوبيا والاتحاد الإفريقي "مشروع اتفاق" سيتمّ بحثه.
وأبدى قادة المجلس العسكري في 29 حزيران، استعدادهم لأن يكون المشروع أساساً لاستئناف التفاوض. وفي 30 حزيران، أطلقت الشرطة السودانيّة الغاز المسيّل للدموع على متظاهرين في ثلاثة أحياء من الخرطوم، في وقت نزل عشرات الآلاف إلى الشارع تلبية لدعوة الحركة الاحتجاجيّة إلى التظاهر.
ودعا تجمّع "المهنيين السودانيين"، الذي يُعتبر أبرز مكوّنات التحالف الذي يقود احتجاجات المتظاهرين في الخرطوم، إلى التوجّه إلى القصر الجمهوري، مقرّ المجلس العسكري الحاكم. وتصدّت الشرطة للمتظاهرين الذين اقتربوا من القصر، ما تسبّب بسقوط قتلى.
ودعا قادة الاحتجاج إلى مزيد من التظاهرات في 13 تموز، بالإضافة إلى حملة عصيان مدني جديدة في أرجاء البلاد كافة في اليوم التالي. وحضّ الوسطاء، العسكريين وقادة الاحتجاج، على استئناف المفاوضات، التي استؤنفت أمس الأوّل، لكن مع اشتراط قادة الاحتجاج التوصّل إلى اتفاق خلال 72 ساعة. ولا تزال المفاوضات متعثرة حول هويّة من يقود المجلس السيادي الانتقالي.
وتظاهر مئات من طلاب العديد من المدارس في ثلاث مدن سودانيّة، أمس، هاتفين "حكم مدني"، دعماً للمطلب الرئيسي للمعارضين في وجه المجلس العسكري الحاكم.