عيسى مخلوف

في ظلّ الثورة الرقميّة

1 تشرين الأول 2022

02 : 00

أدّت الثورة الرقميّة، بوجهيها الإيجابي والسلبي، إلى تغيُّرات عميقة ليس في مسارات الثقافة والمعرفة وحسب، وإنّما أيضاً في مختلف المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. ضمن هذا الأفق، تشكّل هذه الثورة مَفصلاً أساسيّاً في تاريخ البشر، كالذي عرفناه مع اكتشاف النار والكتابة، أو كالثورة العلميّة بين القرن الخامس عشر والقرن السابع عشر، مع كلّ من كوبرنيك وغاليليه، والتي أكّدت أنّ الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس. بدءاً من تلك اللحظة، دخل العالم في مدار جديد يمثّل قطيعةً مع ما كان سائداً طوال ألوف السنين، فتحقّقت بذلك فتوحات واكتشافات علميّة هائلة مهّدت لعصر الأنوار الأوروبي في القرن الثامن عشر.

صحيح أنّ الثورة الرقميّة تطبع العالم الراهن، لكن، لا يزال ثلث سكّان العالم، حتّى اللحظة الراهنة، محرومين من الوصول إلى الإنترنت، وفقاً لإحصاءات الأمم المتّحدة التي أُعلنَ عنها في السادس عشر من الشهر الماضي. وهذا ما يمثّل 2,7 مليارات شخص. عشيّة وباء كورونا، كانت النسبة أكثر ارتفاعاً إذ بلغت 3,6 مليارات. مع ذلك، فإنّ نسبة الذين يستعملون الإنترنت تبلغ اليوم 5,3 مليارات نسمة.

الفروق كبيرة، بحسب الاتحاد الدولي للاتصالات، هذه الوكالة التابعة للأمم المتحدة، والمكرّسة للتطوير المتخصّص في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وهي التي ترصد النسب المئويّة على المستوى العالمي وتكشف بالأرقام أنّ أفريقيا هي الأقلّ اتّصالاً إذ إنّ نسبة السكّان المتّصلين بالإنترنت هناك لا تتجاوز الأربعين في المئة، بينما تبلغ في الأميركتين وفي أوروبا نسبة 89 في المئة، أمّا في العالم العربي فتبلغ 70 في المئة.

نحن هنا في قلب الذكاء الاصطناعي. من يحمل في يده التلفون الموصول بالإنترنت كمن يحمل الكرة الأرضيّة بأكملها. يشاهدها أمام عينيه ويسمع نبضها، ماضياً وحاضراً. نقرة واحدة على هذا الرابط أو ذاك تدخلنا، كما في حكايات "ألف ليلة وليلة، إلى عوالم لا حدود لها. إنّه "السِحر"، لكنّ السّحر لا يأتي، هذه المرّة، من جهة الخُرافة، بل من جهة العلم. لذلك، يمثّل الإنترنت تقدّماً هائلاً يسمح بتداول المعلومات والمعرفة بسرعة قياسيّة وبطريقة غير مسبوقة، كما أنّه يتجاوز المسافات الجغرافيّة ويجعل التواصل بين البشر، أينما كانوا، أمراً ممكناً. لكن تتوقّف العلاقة مع هذه التكنولوجيا الجديدة على كيفيّات استعمالها، إذ لها وجهان لا يلتقيان أبداً، كوجهَي جانوس في الأسطورة الإغريقيّة. وجه إيجابي ووجه سلبي. ولئن كانت إيجابيّاتها بلا حدود، فلا حدود لسلبيّاتها أيضاً، كيف لا وهي تسهّل انتشار المعلومات الخاطئة المضلّلة والتي من شأنها، أحياناً، أن تترك انعكاسات سلبيّة، على تكوين مواقفنا وسلوكنا ونظرتنا إلى العالم، كما يمكنها أن تؤدي إلى انقسامات واستقطابات بدلاً من تشجيع الحوار وتبادل وجهات النظر.

إنّ شيوع المعلومات الخاطئة في شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وبشكل مُلحّ ومتواصل، يشكّل تهديداً مباشراً للفضاء المعرفي وللسجال المشترك، وذلك لصالح عالم تضاءلت فيه إمكانات التبادل والسجال والتفاعل، فضلاً عن أنّ الانغماس المتزايد في العوالم الرقميّة حيث يزول التمييز بين الحقيقي والافتراضي تدريجيّاً قد يؤدّي إلى مخاطر من نوع آخر.

ثمّة دول بدأت تتنبّه إلى التحوّلات التي تشهدها المجتمعات الإنسانيّة في الزمن الرقمي، منها فرنسا التي دعت عدداً من الأخصائيين والمؤرّخين وعلماء الاجتماع والأنتروبولوجيا والقانون، لدراسة الأثر الذي يتركه المَدّ الرقميّ على الحياة الديموقراطيّة. ولقد صدرت حديثاً خلاصات هذا العمل المشترك في كتاب عنوانه "الأنوار في الزمن الرقمي"، أشرف عليه عالم الاجتماع جيرالد بْرُونّي ("المنشورات الجامعيّة الفرنسيّة"). تقول إحدى الخلاصات إنّ الثورة الرقميّة، إضافة إلى ما غيّرته وتغيّره في مشاعرنا وتفكيرنا وحياتنا اليوميّة وممارساتنا الاجتماعيّة، جعلتنا على علاقة خاصّة بالإعلام، ذلك أنّنا نواجه يوميّاً كمّاً ضخماً من المعلومات، تواكبه منافسة واسعة النطاق بين وجهات نظر يُعبَّر عنها بشكل غوغائي وبدون أيّ غَربَلَة، ما يستدعي– لحماية الثقافة والمعرفة، بل لحماية الإنسان نفسه– ضبط العالم الرقمي وتركيبه الحسابي المعقَّد، وتشجيع التفكير النقدي الذي يساعد المرء على مواجهة طوفان المعلومات التي يرزح تحتها، كما يمكّنه من التمييز بين المعلومات الجدّيّة والمعلومات المزيّفة، والتدقيق في مصادرها والهدف من نشرها. إنّ عدم الانتباه إلى هذا الوقع، وفي حال استمراره بهذه الوتيرة، يُلغَى شيئاً فشيئاً الفضاء المشترك الضروري لتفاعل الآراء والأفكار والقِيَم، أي الحياة الديموقراطيّة نفسها.

​الثورة الرقميّة لا تزال في بداياتها، ولا بدّ من بَلوَرة الأهداف بخصوصها، ضمن سيرورة عالم مُتَغيِّر وتحدّيات متزايدة تحتاج إلى مواجهة تقوم على التضامن وتوحيد الجهود، لكن، أين نحن اليوم، من هذا كلّه؟ أين نحن من الأفكار الإصلاحيّة ومن النزعة العقليّة والإنسانيّة؟ وكم يحتاج عالمنا المُظلم إلى أنوار! هذه الكلمة التي تحيلنا فوراً إلى ما كتبه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانْتْ في القرن الثامن عشر، حين حدّد مفهومها بعبارته الشهيرة: "تَجَرّأْ على خَوض المعرفة! ولتكن لديك الشجاعة لاكتساب العلوم بالفكر! هذه هي إذاً عقيدة التنوير".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.